عالم من العزلة والاقتضاب

لا يمكن فهم القصّة القصيرة في إيران ووضعها الحالي إذا لم نتحدّث عن الشعر الإيراني. قبل هذا، علينا أن نقف عند بعض تعريفات القصّة القصيرة. على سبيل المثال، يعتبر إدغار آلان بو أنها “شكلٌ من أشكال السرد الذي يمكن قراءته خلال نصف ساعة أو ساعتين، ويكون له تأثير واحد”.

من أجل الحصول على هذا التأثير يجب على كاتب القصّة القصيرة أن يدمج جميع مكوّناتها، ما يؤدّي إلى معنى مركزي. فلنتجاهل التعاريف الأخرى، ولنَضع تعريف بو في مركز حديثنا.

عرفت القصّة القصيرة في إيران تغييرات مهمّة في تحوُّلها من الواقعية إلى الحداثة، والتي يعود تاريخُها إلى سنوات عديدة مضت. عندما أصبح المؤلفّون الإيرانيّون، من خلال ترجمة الأعمال الأوروبية، على معرفة بنوع جديد من كتابة القصة، فقد تم وضع “الراوي مطلق المعرفة” جانباً، لصالح الراوي المفرَد.

في القصة الحداثوية كرّس الكتّاب اهتمامهم للخيال والباطن أكثر من تركيزهم على الأحداث الخارجية (كما فعل كتّاب المدرسة الواقعية). لم يكن الكتّاب الحداثويون بحاجة إلى السير في الشوارع للعثور على موضوع القصّة، كما كان يفعل تشيخوف مثلاً. ومن أجل اختراق الباطن، تكفيهم غرفة وورقة وعقل واعٍ بما يدور في الباطن.


المجتمع يتهرّب دوماً من الخوض في تفاصيل مشاكله وأسئلته

ظروف كتّاب القصة الحديثة هذه قد تذكّرنا بالقول إنه لكتابة الشعر، بما فيه الشعر الغنائي، يكفي أن يجلس الشاعر في زاوية منعزلة، وفي هذا الجلوس المنفرد يمكن له أن يفكّر بعمق ويجد الفرصة لكشف العواطف المكبوتة والقنوط والاضطراب وضياعه وضياع جيله.

يمكن البحث عن أسباب الاحتفاء الكبير بالقصّة القصيرة في إيران في حبِّ العزلة والجلوس في الوحدة؛ والشاعر الفارسي القديم الذي كان ينتظر الإلهام الشعري في العزلة أدرك في آخر المطاف أنه لم يكن لديه من يتحدّث معه سوى الجانب الآخر من النفس؛ ومن هنا يمكن رؤية تشكيل أوّل برعم لـ”الراوي المفرد” في الأدب الإيراني.

يمكن تقديم نظرية أخرى، وهي اجتماعية أكثر من كونها أدبية، تتمثّل في أنَّ المجتمع الإيراني مجتمعٌ قصيرُ الأجل. الإطاحة بالحكومات بعد سنوات قليلة من حكمها والوضع المضطرب الذي يهيمن على الأفراد على مدار التاريخ هي من العوامل التي يرى علماء الاجتماع أنَّها المصدر المؤثّر في حال الناس في قراءة الرواية أو كتابتها. مع ذلك لا يمكن إنكار أنه ما زالت في البلد روايات تُدرج في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

من مساوئ القصّة القصيرة في إيران أننا لا نستطيع أن ندخل في تفاصيلها كثيراً، لأنَّ المجتمع الإيراني يتهرّب دوماً من الخوض في تفاصيل مشاكله وأسئلته. لكننا نعرف أيضاً أنه بتوسُّع وسائل الإعلام الاجتماعي اتّجه المجتمع، كما العديد من المجتمعات الأخرى، نحو الاقتضاب، ولا هروب من هذا الاقتضاب في الوقت الراهن.

* كاتبة من إيران
** ترجمة عن الفارسية: حمزة كوتي

اقــرأ أيضاً

أوهام حول القصة القصيرة الإيرانية

سبيده نوري جمالوئي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا