عرّافة هافانا

تبسط مفرشاً صغيراً على حافّة نافذة أرضية عريضة من أحد مباني هافانا القديمة. المفرش أزرق من حرير صناعي مهترئ، وفوقه تُرتِّب أوراق اللعب. ثلاثون ورقةً تتنوّع رموزها ما بين ملك وأمير وعملات نقدية وسيوف ذهبية وفاكهة، ثم اثنتا عشرة ورقةً أخرى أطول وأعرض من الفئة الأولى مرسومة بشخصيات تُمثّل العالم والشيطان واليوم الآخر، والإمبراطور والإمبراطورة، يقابلهما الزاهد والزاهدة، فضلاً عن رئيس الكهنة والساحر والقمر…

القمر في يد العرّافة صار وجه رجل عجوز، لا وجه امرأة يتغزّل بها شعراء العرب.. أيقونات دينية تُزيّن الرسوم، صليبٌ على رأس صولجان يجمع القوَّتين الدينية والمدنية. الشيطان محتفظٌ في الصورة بقرون الآلهة وأجنحة الملائكة وله ثديا امرأة. كلُّ ذلك يجذب مُحبّي الغيبيّات أمثالي، تشدّني العرّافة أكثر من تنبؤاتها، فهي الغيب الحاضر، الغجرية المقيمة.. من الصين مروراً بالكاريبي وصولاً إلى كوبا، كانت رحلة أجدادها. تستقرّ اليوم في هافانا القديمة، ليس بعيداً عن الحي الصيني.


 دخلتُ عالماً من أوراق اللعب والإشارات والشخصيات القروسطية

تجلس العرّافات في وضح نهارات هافانا على حواف الشوارع، تُظلّلهنّ المباني الكولونيالية الإسبانية التي بُنيت مقابل بعضها بشكل متقاربٍ لتحمي المستعمرَ الجديد من شمسٍ لم يألفها في موطنه. هرولةً كان مسيري بها، وكانت نظراتي تُهرول مع قدمي دون أن تتفحّص عرّافات المدينة، أو تتعمّد الهرولة لتهرب من مصير مواجهتهن. لكني، في اليوم قبل الأخير من مغادرة كوبا، خضعت لرغبتي بالدخول — متمهّلةً هذه المرّة — في ذلك العالم المصنوع من أوراق اللعب والإشارات والشخصيات القروسطية.

غداً أغادر المدينة، أفكّر ثم أتوجّه بخطوات ثابتة نحوها. لا تُشبه هذه العرّافة نظيراتها من العرّافات المنتشرات على طول الشارع. لا يلفّ رأسها شال ملوّن ولا رداء أبيض يشير لأفريقيا، لا سيجار بين شفتيها يغري كاميرات السيّاح بالتحرُّك.

أنتظر دوري في الشارع، تتقدّمني عائلة تحاول معرفة مستقبل ابنتها. الآن، أجلس على حافة النافذة. ألاحظ كتابةً بلغة المندرين الصينية، هي لغة جدّها المهاجر منذ أواخر القرن التاسع عشر.

أهم ممّا تقول، هو ما تفعل. تُربّت عليَّ بيدَين مزيّنتَين بأساور من فضّة وأصابع توزّعت عليها الخواتم بعشوائية، ثم تستنجد بأوراق اللعب، وثائقها التي تستند إليها في تبرير طمأنتي.

أجيب على أسئلتها دون حرج. أُسرّ لها بمخاوفي فتبتسم وتعود لأوراق اللعب.. هكذا تمنحني التفسيرات، هكذا تفهم الحياة، باللعب.. الأمور في انفراج، تقول -رغم أنها تعقّدت لاحقاً -. وحين تزداد في تعقّدها، أعود لأسكن تلك اللحظة التي أجلس فيها إلى غريبٍ لأوّل مرّة، أقول له هواجسي وأعترف بخطاياي، هي أبرع من طبيب نفسي و”أبرك” من كاهن.

* كاتبة ومترجمة فلسطينية أردنية

اقــرأ أيضاً

عائلة

غدير أبو سنينة

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا