عزيزتي زينب

“عزيزتي زينب، أعلمُ أنَّكِ مازلتِ ناقمةً عليَّ. وأنَّكِ لا تَفتَئين تَحملين وجَعَكِ، في الصَّدر، كآبةً وسؤالاً. تَظنّين أنني قتلتُ أخاكِ حين رَمَيتُ به في حَربٍ لا تعنيهِ. غادرَ ضَاحيةَ بيروت بعد أنْ سَلَّم على الوالدةِ، وهاتَفَ خَطيبَتَهُ. هل كالمَكِ قبلَ رَحيله أم اكتَفى بِتَحيّتِهِ الليليّة الدافئة: “تُصبحين على خير يا زوزو”، ألقاها قبلَ تَوجُّهكِ إلى غُرَفة النوم؟ أيقظَكم، عند السادسة والنصف صباحَ الجُمعة، من أجل الوَدَاع. لـمّا وَصل النبأ ورأيتِ الجثمان مسجًّى، ما قَدرتِ أن تقرَئي عليه سورَةَ الفاتحة.

أنا أيضاً أختٌ اكتَوَتْ بفِقدان الأخِ. زينب البوعزيزي، أختُ ذاك الذي أضْرَم النارَ في جَسده بعد أن شعر بالإهانة لحجز شرطيّةٌ عربته، لبَيعهِ الفواكهَ أمام مَركز المُحافَظة. التمسوا منِّي ضمَّ رأسِهِ المُحتَرق وتلاوةَ الفاتحة على جَسَدِه المضمَّد. من ريف حَلب، فرَّت زينب الثانية بابْنِها، تَحتَ القَصف الوحشيّ. هي الآن لاجئة في بَلَد البَرد. تعاني رطانةَ الفرنسيس وغَطرَسَتَهم. قُتِل أخوها أيضاً بسبب شَقيقي. لم ترَ جثمانَهُ. تَلت عليه آياتٍ، ولكنْ عَن بُعْدٍ. كلّنا زينب. وكلُّ واحدةٍ منا امْرأةٌ مُعَذَّبَة، “تَخذلها الدموعُ إذا احْتَاجَتها. يَخذلها الكونُ مِن حَوْلِها”.

أرهقني صَخَبُ الثَّورة وتهديدُ المنابر. أرَّقني صياحُ المُعتصمين في السّاحات. فَررتُ إلى كندا بأمل الإفلات من وِزْرِ آلافٍ قُتِلوا بسبب أخي. لم أجد لي بأرضٍ مراحاً. أردتُ أن أكونَ عابرةً مَجهولة، أغرق بينَ أمواج السّابلة، في جادات مونريال. تعاودني أشباحُ القَتْلى والجَرحى والمشرَّدين كلما غَفوتُ. ضاقت بي هذي المُدن برحَابتها. لم يُنْسني بَردُها أزيزَ الرصاص الذي تَطاير في ميادين “الربيع”. قُتِل إخوتُنا الثلاثَة وشُيِّعوا وما فَرحوا بشيٍء. غَرقتِ أنتِ في الشِّعْر لتنسَيْ. وغابت زينبُ الثانية في أكوام الوثائق لتوفِّرَ الحليبَ لِرَضيعها. وفي “مَطعمي العربي” جهدتُ في تنويع الوَجْبات الشّرقية حتى أخفِّفَ عن خاطري وجعَ الذكرى.


 أنا أخت الذي أضرم النار في جسده بعد أن شعر بالإهانة

أردتُ أن أكفِّرَ عن موتِ أخِيكِ وأخيها. “أنْتِ لم تَزُفِّهِ شهيداً، كما فعلَ الجَميعُ” ولا أنا، ولا قَدَرَتْ عليه زينب الحلبيّة. قَرّرتُ العودَةَ من مَهْجَري والاختفاء في قريةٍ لا يعرفني فيها أحدٌ.

ذهبتُ إلى بلدةٍ تنتصب فيها القِبابُ. وفي أضرحتها، تُضاءُ الشموع ويَعبق البخور. قرية في الساحل التونسي، تُطلّ على “الأزرق البهيّ”، ذاك الذي ترَيْنَهُ من شُرفتِكِ البيروتيّة. تُداهمني من جديد هتافاتُ المتظاهرين وجَحافلُ المشرَّدين واللاجئين. خِيامٌ في الوَحَل وغُرفٌ في ضواحي باريس البارِدَة. تُقزِّزني خُطبُ هَيئات الأمم. التَجأتُ مباشرةً إلى مَسجد القرية. رُسِم على مَدخله أنه بُنِيَ في عهد الفاطميين الذين اتخذوا رباطاتٍ تُشرف على البحر لتُراقب زَوارقَ الفَرَنجة. العُبَيْديون، أسلافُكِ، استَوطنوا دِيارَنا وأقاموا بَينَنا. في حيِّنا كانت مراسمُ عاشوراء تقامُ. قاعة الصَّلاة باردة، تَتَوَسّطها سَوَارٍ من خشب أصمَّ. السقفُ عيدانٌ كالحة، يَتدلَّى منها فانوس واحد.

في الركنِ خزانةٌ على رفَّها مُجَلدٌ أسود. كان في الأصل دفتراً يعود إلى حِقبة الاستعمار الفرنسي. صُنعتْ مثل هذه الدفاتر وَقتَها لتقييد النفوس وتسجيل أفْراحها وأتْراحها. هو مثل تلكَ السجلات التي مَلأت إدارات الانتدابِ، بإشراف المندوب السامي لبِلاد الشام. فتحتُ الصفحة الأولى، فَاعتَرَتني رعشةٌ، بعضها من ظلمة الأقبية وبعضها من بَرد الحيطان. كُتبَ فيها بالخَط المغربي المُعَرَّق: “بِناء عبد الله المديوني. أصيل قَبيلة مَديونة، من الـمَغرب الأقصى، حيث أولياء إفريقيّة وصُلحاؤها. تَنَقَّل بين السهوب والجبال الوَعرة وبَنى رباطاً على رَبوة. يراقبَ الفَرنجةَ نهاراً. في الليل، يختلي بربنا. يدعو ويتهَجَّد. زَرَعَ ما حوله من الأرض. حوَّلَ قَحطها بَرَكَةً — 1022هـ”.

كُتِب على الصفحة الموالية بخط متعثرٍ: “سَنجاهِد ضدَّ ارتفاع المكوس وغلاء المعيشة. تَضَاعَفت الضرائب من 36 إلى 72 ريالاً. أجحفَ اللزَّامَة حتى يرتَعَ البايات في القُصور. لنْ نَرْكَعَ للبَاي ولا لجندِ فرنسا. الكفّار يعيثون فساداً في أعراض المسلمين وحَرْثهم ونَسلهم. سندافع عن ديارنا وإن بِضَرْب الأعناق. علي بن غذاهم- فبراير — 1865”.


 تُعاودني أشباح القتلى والجرحى والمشرّدين كلّما غفوت

أظنّكِ سَمعتِ بالبايات. حكموا تونسَ أيامَ العثمانيين، كما حَكَمَ المُتَصَرِّف جَبل لبنان، مسنوداً بـ”القَائم مقام”. كانوا أصحابَ بَذَخ وقصور. لا يرأفون بِالرعية، يَحتلبونها مثل بَقَرةٍ، في سنواتها العجاف. سطورٌ مبهمة عن إعدام العشرات من وُجَهاء بيروت في ساحة البُرْج، وَسط بَيروت وسَبعة من وُجهاء دمشق في ساحة المَرْجَة. مَن سفكَ دماءَ السادس من أيار 1916؟ “كتب القنصل الفرنسي ببيروت أنَّ الطوائف المسيحية تتعرّض للاضطهاد وخَتَم “المذكرة السريَّة” بمطالبة دولته باحتلال لبنان وسائر ولايات “سنجق الشام” لإنقاذها. نَشبت الحرب الكبرى. فَرَّ القنصل الفرنسي من بيروت دون أن يتلفَ الوثائقَ المهمّة. على عجلٍ، أودَعَها مَخبأً سرياً في جدار إحدى الغُرف الرطبة… “.

الصفحة الموالية، لونُ حِبرها أحمرُ قانٍ: “مَهما حَشَدَت فرنسا من عسكرٍ، فلن تُرهبنا. سندافع عن استقلالنا وهويتنا. انطلقت ثورتنا المُسَلَّحة ولن يوقفها أحدٌ. سيُعزِّز الثوارُ صفوفَهم للدفاع عن الوطن — صالح الوحيشي، ربيع 1953”.

الوطنُ، يا زينب، مَسألة رُوحٍ وعطرٍ وسُطُور. التحقَ جَدِّي بعَسكر فرنسا، وهو عَربي مسلم. دَافَعَ عن “مَاريان”، بصدره العاري. قُتِل بِرصاص الألمان. ظنَّ الجمهوريةَ ديانةً جامعةً. كافأتني كندَا، خلال فترة اختفائي بها، بإعطائي جِنسيَّتها. جوازُ سفرٍ أُخْفي به أصولي وحِكاياتي وبخوري. في مَطعمي، رأيتُني واقفةً أمام طاولاتِي، لبيع الشوارما اللبنانية، كأخي بِعَربته المنصوبة أمامَ المُحافَظَة، قَبل أن تَصفَعَه الشرطيّة.

هل تفحَّم هناكَ لأقومَ مَقامَهُ هنا؟ فَقَدت زينب الأخرى شُغلَها وبَيتَها في حَلب. اضطُرَّ زَوجُها إلى بَيع الصابون الحَلبي، على عَربةٍ مُزيَّنة، داخل مَجمع تجاري ضخمٍ بِكريتاي. تبتسم الباريسيات وهنَّ يَشْمُمن عِطرَهُ. ثلاثَتُنا امَرْأةٌ أضاعت أخاها في مَعركة لم تَختَرْها. شاعت صورُ الشهداء واللاجئين في مهرجانات المقاومة والربيع والحرفِ. لا أظنُّ إخوَتنا فَكّروا في ثورةٍ ولا تمَنَّوها. حَمَلهم القَدَر إلى حيث شاء جشعُ الساسَة. جالت بخاطري الخُطَب والمقالات التي صيغت عن “الربيع”، وأنا أتلمّس صفحات الدفتر الأسود. خُطوطُه مُتبايِنة بعدد أوراقه. ضِقتُ ذرعاً بالقراءة. تُعذّبني هذه الصفحات الـمُـسَوَّدة. خُتمت كلُّ حزمة منها بتاريخٍ: 1956، 1969، 1978، 1987، 2001، 2007…

في نهاية الدفتر، شدَّتني وَرَقة ممهورةٌ بتاريخ 13 يناير 2011: “كما أكَّدتم، سعادةَ سفير فرنسا، فإنَّ الوضع تحتَ السيطرة. فخامةُ الرئيس عازم على إنهاء الفوضى. سيُنزل الجيش وتتدخّل قوى النُّخبة لبثِّ الرعب في المتظاهرين. تحركهم قوًى أجنبية ظَلامية. تكفي طلقةٌ واحدةٌ، في الهواء، حتى يتفرَّقوا. سعادَةَ السفير. سَنحتاج من دَولتكم الموقَّرة إلى بعض المساعدات. آلياتٌ وقنابل لإحكام الطوق على المتظاهرين. رجاءً، أمِدّونا بها في أقرب الآجال — وزير الداخلية”.

بعدها قُصاصة صغيرة: “أغلقَ السفير الفرنسي سفارَته بدمشق على مضض. خابَ أمله وحزن لِضَياع الصفقات التي عقدها. حاول التخفيف من أهمية الاحتجاجات. ردّد لرئيسه: “الوضع تحت السيطرة”. بعد سنتَين، عادَ جُنودُ دولته إلى شَرق الفرات خلسةً. دَعا إلى باريس بعضَ فَنَّاني حَلَب، ومنهم زوجُ زينب الثانية. هكذا لَمَّ شملَها بزوجها… “.

كلُّ هذا محفوظٌ في الدفتر. ترسمُ صفحاتُه قِصصَنَا بسخرية. خَذَلني أخي عندما أضرَم النار في جَسَده. أحالَ تاريخَ قريتي. حَرَمني من زيارة مَدينة “صور”. كنت أنوي التِثام مَواطن عِليسة وملاعبَة ثيرانِها، تلك التي جَعلت من جِلدها حدوداً لخرائط بَلَدي. خَذَلكِ أخوك حينما خاضَ حرباً لا تعنيكِ. قَصَرَ دَورَكِ على أن تَصوغي شِعراً “لا يعنيهِ، ولن يَقرَأه البتَّة”.

“(…) أحرقَ زَوجُ زينب الثانية شقيقَتَهُ لأنَّها هامَتْ بعَشيقٍ فرنسيٍ. حَمَلت منه، دون زواجٍ… ولا حتى فاتحة. عَدَّه القاضي “مجرمَ شرفٍ” فحَبسهُ في رطوبة السجون، مع المُنحرفين السود والعرب”. طَلبوا مني أن أكون أختَ “شهيدٍ”. لم أنطِق بالكلمة. كيف لشهيد أن يقتلَ الآلاف؟ رَدُّوا لشقيقكِ حذاءَه. جَلبوه إليكم مع صُوَرِهِ. لـمّا تفحَّم أخي، لم يبق منه حذاءٌ ولا صورٌ، عدا تلك التي أُخذت له، مُضمَّداً بالكلية، مع الرئيس المَخلوع. خَلعوا قلوبَنا. محا الجيش كلَّ أثر لشقيق زينب الحلبيَّة، ما عدا رقمٍ، أرسلوهُ نكايةً في والدتهِ… صداعٌ يَهدُّني. أغلقتُ الدفترَ. خَرَجتُ من المسجد. ماذا لو نلتقي ثلاثَتُنا في مَزار سيدتنا زَيْنَب بالقاهرة، وفيه نُخفي هذا الدفتر إلى أبد الآبدين؟


* إلى جانب أعماله البحثية والترجمية، يكتب الأكاديمي التونسي المقيم في فرنسا، نجم الدين خلف الله (1970)، القصّة القصيرة. في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أصدر باكورته السردية “قلادة من الضفّة الثانية” (منشورات سوتوميديا)، وضمّت 24 قصّةً قصيرةً تلتقي في مقاربتها هموم الإنسان العربي المعاصر. نلمس ذلك، أيضاً، في القصة التي ننشرها، اليوم، تزامناً مع الذكرى الثامنة للثورة التونسية.

اقــرأ أيضاً

رواية مفكّكة

نجم الدين خلف الله

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا