عندما تغوي “الرئيس” حرفة الرواية

كنت، وأنا فتي، مولعا بكتب المغامرات، وبخاصة روايات أرسين لوبين التي اشتهر بها الفرنسي موريس لوبلان، وعرّبها عمر أبو النصر. وحدث لي مرة، وأنا أدخل حجرة الصف الدراسي، أن زلّت قدمي، فتبعثرت كتبي ودفاتري على الأرض، وكانت بينها رواية “اللص الظريف” لأرسين لوبين، فلمحها معلمي، فتقدّم والتقطها، وأخذ يقلبها بين يديه، ثم احتجزها عنده لغاية انتهاء الدرس، واستدعاني بعده، ليلقي علي فاصلا من الزّجر والتأنيب، ختمه بنصحي أن أنصرف إلى دروسي، بدلا من قراءة مثل هذه الكتب، لأن “الرواية غواية”.

علقت بذهني عبارته هذه “الرواية غواية”، طوال السنوات التي مرّت على تلك الواقعة، وكنت أستعيدها كلما قرأت كتابا روائيا، لكنني اكتشفت متأخرا أن عديدا من رجال السلطة أيضا تغويهم حرفة الرواية، إلى درجة أنهم لا يكتفون بالقراءة، إنما يسعون إلى أن يكتبوا هم أيضا رواياتهم الخاصة، يطرحون من خلالها أفكارهم، وتجاربهم في الحكم والسياسة، ويزيدون من شهرتهم، وبحسبانهم أنهم، عبر ذلك، يمكن أن يمتلكوا المجد من كل أطرافه. 

آخر هذا الصنف من الرؤساء هو بيل كلينتون الذي قال مرة إنه حلم، في مرحلة تكوينه الأولى، أن يحقق في حياته حلمين اثنين: أن يسجل “اختراقا” في عالم السياسة، وقد فعل ذلك عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة، حيث حفلت ولايته بأحداثٍ وإنجازات مثيرة، بحسب وصفه. والحلم الثاني أن يكتب كتابا لافتا، ويبدو أن كتبه الثلاثة التي نشرها، وآخرها قصة حياته، لم تحقق له حلمه، فقرّر أن يجرّب حظه، هذه المرة، في رواية “تحكي كيف يكون المرء رئيسا للولايات المتحدة”، وكما قال ناشره سوف “تتضمن أسرارا لا يمكن لأحدٍ غير الرئيس أن يعرفها”. وهذا التقديم المبكر للرواية بمثابة إعلان للفت النظر، وأيضا فإنه، ومن قبيل لفت النظر أيضا، سيستعين بروائي أميركي صاعد لمشاركته الكتابة، هو جيمس باترسون الذي عرف بروايات الألغاز والإثارة التي استهوت الشباب، منها رواية “نادي قتل النساء” التي ترجمت مع روايات أخرى له إلى العربية. 
 تُذكر لكلينتون براعته في تفصيل بعض الوقائع على نحوٍ يقرّبه من السرد الروائي، فهو مثلا في كتابه الأخير، عندما يتحدث عن سعيه إلى السلام بين العرب وإسرائيل، يصف لنا كيف استيقظ مبكرا في يوم التوقيع على الاتفاقية بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، ليقرأ فصلا في الكتاب المقدّس، قبل أن يرتدي بدلة زرقاء موشحة بقرون ذهبية، ترمز لدخول القساوسة السبعة الذين اصطحبهم معه النبي يوشع بن نون، في رحلته إلى أريحا، بحسب الرواية اليهودية، وكيف طلب من عرفات ألّا يدخل إلى حفل التوقيع بمسدسه الذي اعتاد أن يحمله معه، وكيف أقنع رابين بمصافحة عرفات، وكيف استطاع أن يقف حائلا دون أن يقوم عرفات بتقبيل رابين، بناء على رفض الأخير خطوةً مثل هذه، ومن دون أن يعرف عرفات بذلك، أو أن ينتبه إليه. 
من الرؤساء والملوك العرب الذين أغوتهم أيضا حرفة الرواية، وطمحوا إلى أن يكون لهم فيها باع، صدام حسين الذي نشر ثلاث روايات في سنوات حكمه الأخيرة، فيما ترك رواية رابعة نشرت بعد رحيله. وعلى الرغم من تردّد اسم أكثر من كاتب معروف، قيل إنه كتبها بتكليف من الرئيس، إلا أن خبراء من المخابرات المركزية الأميركية “أفتوا” بأنها من صنع صدام فعلا، حيث إن تعابيرها وأسلوبها يعكسان طريقته في السرد، وأفكارها تطابق أفكاره، ويبدو أنه أراد أن يقول ما لم يستطع أن يقوله بصفته الرسمية. 
تتسم الروايات الأربع بطابع رمزي، تكتنفها أحداث ووقائع يختلط فيها التاريخ بالجغرافيا، وتتزاوج فيها أحداث حقيقية ووقائع متخيلة، وفي المحصلة تعبر عن سعي الكاتب، وهو البطل دائما، إلى تعظيم دوره، وإعلاء شأنه وقدراته في مواجهة خصومه. 
معمر القذافي نموذج آخر، فقد كتب مجموعةً أطلق عليها تسمية قصص، عنوانها “القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد الفضاء”، حاول فيها أن يتفلسف من خلال تهويمات سردية، وخواطر عابرة لا تملك من الإبداع، ولا من الفن، جرّة قلم، الطريف أن نقاداً وكتاباً عديدين معروفين سمحوا لأنفسهم أن يكتبوا زلفى عن روايات صدام، وكذا عن قصص القذافي، ما لا يحتمله عقل سويّ، على قاعدة “أن كلام الملوك هو ملك الكلام” التي ابتدعها حكيمٌ زائفٌ في حقبة سوداء من التاريخ.

عبد اللطيف السعدون

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا