كتاب ساكي (الحلقة الأخيرة).. بين الصحافة وبارما وريال مدريد

ينشر موقع “العربي الجديد” حلقات مترجمة من كتاب “أريغو ساكي.. كالتشيو توتالي“، تتناول حياة أسطورة التدريب، والذي لم يلعب الكرة بشكل احترافي خلال مسيرته، ونجح في قيادة العديد من الفرق إلى القمة في فترة الثمانينيات، في ما يلي الحلقة الأخيرة:

بدأت منذ 1999 في العمل كمستشار فني لميلان وفي نفس العام افتتحت مسيرتي كصحفي رياضي في جريدة (لاستامبا) بخلاف عملي كمحلل لصالح (ميديا سيت). كنت أحب الكتابة حول كرة القدم والمشكلات المرتبطة باللعبة. مكنني هذا الأمر من الاستمرار بشكل ما في هذا العالم ولعب دور جديد.

دوري الجديد كان تربويا، لأن كرة القدم من وجهة نظري من الممكن أن تصبح أحد عوامل تأهيل وتكوين الإنسان. كان عملي كمدرب يسمح لي باستغلال قدرتي التعليمية وكصحفي استخدمت الكتابة لـ”تعليم” قراءة المباريات وتحليل التكتيكات والاستعدادات، بتقديم دراسات عميقة حول اللاعبين وصفاتهم وإمكانيات تطورهم.

هذه الخبرة منحتني ولا تزال تمنحني شعورا كبيرا بالرضا. اتصل بي أندريا أنجيلي في مرة لتهنئتي لأنهم نشروا مقالي في صفحة الثقافة وليس صفحة الرياضة. هذا الأمر تسبب في وجود شيء من الغيرة والحقد تجاهي من قبل البعض، ولكن في نفس الوقت كانت هناك تهانئ من أطراف كثيرة.

بارماكان بارما يمر بأزمة وطلبوا مني العودة. مرة أخرى وجدت نفسي أتراجع في قرار اعتزال مهمة التدريب، ولهذا السبب اضطررت لقطع التعاون مع (لاستامبا) لم يكن بإمكاني القيام بكل الأمور في نفس الوقت.

بدأت في تدريب الفريق خلال نصف الموسم بعد سلسلة من النتائج غير المرضية. أغراني الأمر. التدريب بالنسبة لي أشبه بالإدمان على تدخين السجائر. المدخن قد يرى عقب سيجارة ملقى على الأرض يذكره بماضيه ليعود إليه. كان هذا هو ما حدث لأن شغفي بالكرة والتدريب كان أكبر من أي شيء، ولكن مع بارما لم أستمر كمدرب سوى في ثلاث مباريات فقط.

كانت الأولى أمام إنتر وتعادلنا في ميلانو بهدف لمثله والثانية مع ليتشي وتعادلنا أيضا بعد خطأ من بوفون والثالثة في فيرونا وفزنا وأنقذ بوفون ركلة جزاء. داخل استاد بينتيجودي في فيرونا تفهمت أنه لا يمكنني الاستمرار في التدريب. فزنا ولكن لم أشعر بأي سعادة. لم أشعر بأي شيء قد يجعلني أتغاضى مجددا عن التوتر وليالي الأرق والضغط اليومي. هذه المرة قررت فعلا ألا أعود لتدريب أي فريق مجددا.

هذا الأمر لا يعني أنني قطعت علاقتي بالكرة بشكل كامل حيث توليت منصب مدير الكرة بالنادي. كانت أول المهام التي وضعتها أمام نفسي تتمثل في ضرورة إعادة تنظيم قطاع الشباب.

كان بارما لديه ما يقرب من 300 مركز منتشر في كل أنحاء إيطاليا وسألت عن عدد اللاعبين الذين أنجبهم قطاع الناشئين ويلعبون حاليا في دوري الدرجة الأولى وكانت الإجابة صادمة “لا أحد”.

سألت الإدارة إذا ما كان قطاع الناشئين يتعلق بأمر دعائي أو لسبب اجتماعي أم لسبب رياضي، فقالوا لي إن الأمر يتعلق بالرياضة ليدور بيننا هذا الحوار:

– هل تعتقدون أن الأمر ينجح؟ كيف يمكن لقطاع ناشئين بهذا الحجم والتنظيم ألا ينتج لاعبا واحدا يصل للدرجة الأولى طيلة 12 عاما؟

– بارما مدينة تتعلق بالراحة. في كرة القدم عليك أن تجتهد كثيرا ولكن الفتية لا يرغبون في الالتزام.

– لا أعتقد هذا. ما ينقصهم هم أساتذة يرشدونهم للصواب. علينا أن نبدأ من الصفر.

بهذه الطريقة تعاقدنا مع جابريلي زامانجا واتصلت بمجموعة من معارفي القدامى وبدأنا في تعليم الفتية كيف يلعبون الكرة الشاملة. كانت ثمار هذا الأمر رائعة؛ فمن قطاع الناشئين في بارما خرجت أسماء مثل أرتورو لوبولي الذي تعاقد في 2004 مع فريق الشباب بأرسنال وخاض مسيرة طويلة شملت اللعب في دربي كاونتي وفيورنتينا وتريفيسو ضمن أندية أخرى.

هناك أسماء أخرى مثل دانيلي ديسينا الذي لعب للفريق الأول لبارما وفي كالياري وسامبدوريا. لن أنسى أيضا لوكا تشيجاريني الذي لعب في أتالانتا ونابولي وإشبيلية وحصّل المركز الثالث في بطولة أوروبا تحت 21 عاما بالسويد.

وبكل تأكيد هناك أيضا جوزيبي روسي الذي لعب في مانشستر يونايتد وفاز بكأس الرابطة الإنكليزية ونيوكاسل وبارما وفياريال وفيورنتينا. كان هذا العمل يعجبني كثيرا وكنت شغوفا به ولكنه لم يستمر طويلا. رغبتي في العودة للمنزل وتناول البيتزا مع بناتي كانت دائما حاضرة.

قررت في 2003 الاستقالة من منصبي. كان هناك اقتراح بأن أقوم بوظيفتي من منزلي ولكن ردي كان “إذا ما حدث هذا ستكون سرقة وأنا لا أقبل أن أكون لصا”. جرى الاتفاق في النهاية على أن أعمل كمستشار فني.

ريال مدريدبعد حقبتي في بارما كنت على موعد مع استئناف مغامرتي مجددا في ريال مدريد. لم يدم الأمر طويلا هناك من 21 ديسمبر 2004 حتى 31 ديسمبر 2005. كانت أسباب رحيلي هذه المرة مجددا هي عدم قدرتي على الابتعاد عن عائلتي والصعوبات التي واجهتها لتنفيذ دوري كمدير للكرة.

لا يميل رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز لتفويض السلطات. بعد خمسة أو ستة شهور من العمل كنت أرغب في الاستقالة ولكنه أصر على استمراري حتى نهاية العام ولكي يرضيني قام بشراء سرخيو راموس. كان لاعبا كنت أرغب في ضمه للفريق بأي ثمن.

استمررت مع ريال مدريد بعدها ولكن في النهاية لم أجد الفرصة للاشتراك في استراتيجية الفريق لهذا أخبرت فلورنتينو “رئيسي.. أنا أقدرك كثيرا وممتن لأنك طلبتني ولكن يبدو لي أن ما أفعله هنا هو سرقة نقودك. أنت تقوم بكل شيء وهذا الأمر يؤثر على كرامتي”.

كان ريال مدريد يضم لاعبين على أعلى مستوى ولكن كان ينقصه شيء هام للغاية: روح الفريق. أتذكر شيئا هاما ربما يعكس كيف كان الوضع حينها. كنت أجلس في المدرجات بجانب دي ستيفانو وفجأة وجدته ينهض من جانبي ويقول “سأرحل.. عرض قبيح أخر من الفريق”.

رحل عقب إصابته بالملل لأنه لم يشاهد لعبا جميلا على أرض الملعب. حينما لا تسود روح الفريق لا يوجد تواضع أو انتباه أو حماس أو حب للشيء الذي تفعله، وبسبب كل هذا لا يمكنك بناء طريقة لعب معينة، حتى ولو كنت أفضل مدرب في العالم.

أتذكر أنه في مرة سافرنا لإشبيلية وخارج الملعب كان هناك أكثر من أربعة ألاف مشجع يهتفون ويطالبون بالتقاط الصور مع اللاعبين أو أن يوقعوا لهم على قمصانهم وقال لي فلورنتينو “انظر للحماس الذي نخلقه”، فأجبته “لا يهم الحماس الذي نخلقه اليوم، بل غدا في يوم المباراة وعبر اللعب. الحماس المتعلق بالتقاط الصور مع اللاعبين بدافع الشهرة ليس مهما. هذه كرة القدم وليست فيلما سينمائيا”.

اليوم الأمور مختلفة. مرت سنوات كثيرة وبفضل فلورنتينو عاد ريال مدريد ليصبح مؤسسة قوية. إنه قيادي استثنائي ولديه قدرة كبيرة على التنظيم ورؤية تخص العظماء، سيكون أفضل كثيرا لو وثق أكثر بالمدربين. على أي حال إنه شخص جيد للغاية لدرجة تدفعك للتسامح مع أي تدخل يمارسه.

في زيارتي الأخيرة لريال مدريد سألت الرئيس ما هي كمية الأموال التي أنفقها على اللاعبين وأجاب “لا يوجد أي رئيس يدفع من جيبه. النادي هو من يمول نفسه بنفسه. بالنسبة لي أنفقت ثلاثة ملايين يورو فقط في الحملة الانتخابية”. هذا هو ريال مدريد. مؤسسة إسبانية تمثل إسبانيا في الرياضة ونموذج يجب تقليده حتى في أصغر الأندية.

حضرت التدريبات في ذلك اليوم وفي نهايته تقابلت مع سرخيو راموس؛ صديقي الجيد الذي طلب مني نصيحة بخصوص تمديد تعاقده حيث قال لي “أرغب في تمديد تعاقدي ولكن فلورنتينو سيعطيني مبلغا أقل من الذي أرغب فيه. ما رأيك”؟

أجبته بكل بساطة “يجب أن تبقى هنا. انظر لما حدث لكاكا وشيفيشنكو. كلاهما كانا في خير حال ورحلا من أجل النقود عن الميلان وانتهت مسيرتهما قبل الميعاد. أنت هنا تشعر بالراحة وعليك الاستمرار”. ذكرته بأنه لكي أقنع بيريز بضمه من إشبيلية كنت قد أقنعت الرئيس بأنه سيصبح مالديني الجديد.

حينما أخبرت فلورنتينو في 2005 بأنني أرغب في الاستقالة من ريال مدريد أجابني بكل جدية ” لا أحد يستقيل من ريال مدريد”! في النهاية كانت كرامتي وحنيني إلى المنزل هما من انتصرا. بقيت في منصبي فقط حتى ديسمبر من نفس العام، ولكن قبل الرحيل قلت له “لو ولدتُ إسبانيا، لكنت ستضطر إلى طردي بركلي في مؤخرتي” لينفجر في الضحك.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.