كوكو شانيل: فنانة الأزياء التي صنعت المرأة الحديثة

أعوام مديدة مرّت على الانقلاب الفعلي الذي صنعته الفرنسية، كوكو شانيل، في صناعة الألبسة وتصاميمها وأشكالها، لكن النتائج والتأثيرات الخاصّة بهذا الانقلاب لا تزال حاضرة ـ بطريقة أو بأخرى ـ في عالمٍ يمزج الفن البصري (الألوان، الخطوط، الأحجام، التقطيع، الإكسسوارات المُضافة إلى الزيّ الأصلي، إلخ…) بالصناعة والتجارة والاجتماع وأنماط العيش، ويضع النساء تحديداً في واجهة المشهد الجماليّ.
بالإضافة إلى التأثير الواضح للصنيع الذي أنجزته شانيل في الربع الأول من القرن الـ 20، هناك سيرتها التي أذهلت كثيرين. فالمُصمِّمة، التي بدأت عملها كخيّاطة اكتسبت ركائز هذه المهنة في دارٍ للأيتام، تأتي من أصول متواضعة، إذْ لم تكن حياتها الطفولية مريحة، مع والدين أمضيا حياتهما في التنقّل معها من مدينة إلى أخرى، ما أفقدها استقراراً وراحة تحتاج إليهما في عمرٍ صعبٍ ومعقَّد. 
هذا ما يرويه الفيلم التلفزيوني “كوكو شانيل” (إنتاج فرنسي بريطاني إيطالي مشترك، 2008) للكندي كريستيان دوغاي (1956)، الذي يستعيد سيرة غابرييل بونور شانيل (Gabrielle Bonheur Chasnel) منذ بداياتها (مواليد Saumur، 19 أغسطس/ آب 1883)، حتى اللحظات السابقة لرحيلها، في فندق “ريتز” الباريسي، في 10 يناير/ كانون الثاني 1971. فالفيلم يبدأ في مرحلة ما من شيخوختها، عندما انتابها الحنين إلى ماضيها وذكرياتها، ما دفعها إلى استعادة فصولٍ كثيرة من تلك السيرة، التي تمتلئ بقصص يتداخل فيها الشخصي بالعام، كعلاقات الحب والصداقة والحياة الخاصة في باريس مطلع القرن الماضي، وكأنماط العمل والابتكارات التي راحت تصنعها شيئاً فشيئاً، مُحدِثةً ما يُعرف لاحقاً بـ “ثورة الأزياء”، التي ساهمت في صُنع نموذج عصري للمرأة الحديثة.
في “كوكو شانيل” هذا ـ الذي أدّت الأميركية شيرلي ماكلاين (1934) فيه دور شانيل العجوز، في حين أن السلوفاكية (حاملة الجنسية الإيطالية) باربورا بوبولوفا (1974) أدّت دورها في مرحلتي الشباب والعمل ـ يتابع المهتمّ وقائع دقيقة من سيرتها الحياتية ومسارها المهنيّ. فبعد وفاة والدتها، قرّر الأب خوض تجربة جديدة في حياته، فاختار الولايات المتحدّة الأميركية كحيّز جغرافي وفضاء حياتي لتحقيق رغبته تلك، ما جعله يتخلّى عن كلّ شيء، ويُلحق ابنته غابرييل ـ التي تحمل اسماً وسطياً يعني، بالفرنسية، السعادة (Bonheur)، بينما الاسم الأصلي للعائلة يُلفظ شانيل بالعربية، بينما يُكتب بالفرنسية على النحو التالي Chasnel، قبل أن يتحوّل إلى الاسم المعروف لها، وهو Chanel ـ بدار للأيتام، تتلقّى فيها مبادئ الخياطة، فتنجذب إلى هذا العمل اليدوي، من دون أن تتخيّل أنها، بعد أعوام عديدة، ستُصبح صانعة الانقلاب الثوري في عالم الأزياء. 
في “كوكو قبل شانيل” (2009) للفرنسية آن فونتان (مواليد لوكسمبور، 1959)، يتابع المهتمّ بعض تلك الوقائع، في المرحلة السابقة لشهرتها. فالعنوان انعكاسٌ للحبكة الدرامية، التي تروي تفاصيل كثيرة من حياتها قبل أن تُصبح ما أصبحت عليه، إذْ يُركّز على سيرة كوكو قبل أن تتحوّل إلى شانيل. والحبكة تلك معقودة، أساساً، على تساؤل جوهري: كيف أمكن لشابّة تُدعى غابرييل، العصامية ذات الأصول المتواضعة، وصاحبة الشخصية الخارجة على كلّ مألوفٍ في تلك الحقبة من تاريخ فرنسا والعالم، أن تُصبح كوكو شانيل، “رمز” النجاح والحرية، الذي يُجسِّد مفهوماً عصرياً للمرأة الحديثة؟
استناداً إلى كتابٍ بعنوان L’Irreguliere (“غير المنتظمة”، كترجمة حرفية) للفرنسية إدموند شارل ـ رو (1920 ـ 2016)، ترسم آن فونتان ـ مع الممثلة أودري توتو (1976) في واحدٍ من أدوارها الجميلة ـ معالم امرأة وملامح عالمٍ ولوحاتٍ طبيعية عن تحوّلات وتبدّلات في الاجتماع والثقافة والفنون، كما في العلاقات والنظرة إلى كلّ شيء في يوميات الناس. لكن، رغم جمالياته المختلفة، والحضور البديع للممثلة، والترشيحات العديدة لجوائز فرنسية وبريطانية وأميركية عديدة، كـ “أوسكار” هوليوود و”بافتا” البريطانية و”سيزار” الفرنسية، في أكثر من فئة، تمكّن الفيلم من الحصول على جائزة “سيزار” واحدة في فئة أفضل أزياء، نالتها الفرنسية كاترين لوتيرّييه (1942)، التي نالت ـ في الوقت نفسه ـ ترشيحاً لـ “أوسكار” الفئة نفسها.
في إطارٍ مختلفٍ تماماً عنهما، اختار الفرنسي هولندي الأصل يان كونان (1964) ـ في “كوكو شانيل وإيغور سْترافنسكي” (2009) ـ فصلاً محدّداً من سيرة كوكو شانيل، يتمثّل بعلاقتها بالموسيقيّ الروسيّ، إيغور فيودوروفيتش سْترافنسكي (1882 ـ 1971)، في فترة لجوئه السياسي إلى فرنسا. والفيلم مُقتبس عن كتاب “كوكو وشانيل”، للإنكليزي كريس غرينهالغ (1963)، الصادر باللغة الإنكليزية عام 2002، ومعروضٌ، للمرة الأولى، في ختام الدورة الـ 62 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2009) لمهرجان “كانّ” السينمائيّ الدوليّ.
بين عامي 1910 و1920، كانت باريس مندهشة ومصدومة بالابتكارات الحديثة للمُصمِّمة، الشابّة حينها، كوكو شانيل، التي كانت منشغلة بكليّتها بمسألتين اثنتين: مهنتها، وحبّها الكبير للاعب الـ “بولو”، الإنكليزي آرثر إدوارد كابِل (1881 ـ 1919)، المعروف باسم بوي كابِل. حينها، قدَّم إيغور عمله الموسيقيّ “تتويج الربيع” (1913)، من دون أن يحظى بنجاح جماهيري ونقدي لافت للانتباه. والفيلم يتابع هذين المسارين، قبل أن تلتقي شانيل بسْترافنسكي، وتنشأ علاقة صداقة بينهما، إلى درجة أنها تفتح له ولعائلته أبواب منزلها في “غارش”، قبل أن يواسيها بوفاة حبيبها بوي كابل.

اقــرأ أيضاً

كوينتين تارانتينو يتكلّم لأول مرة عن فضيحة هارفي وينستين

نديم جرجوره

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا