لا، ليس الرصاصُ طائشاً

ليس الرصاصُ هو الطائش. الرصاصُ لا يملك قرارَ الخروج من تلقاء نفسه، من فوّهة المسدس أو البندقية التي تحويه، والتوجّه نحو رأس أحدهم أو قلبه، ليرديه قتيلا. الرصاصُ لا يريد بأحدٍ شرّا حين يُترك قابعا في صناديقه، محفوظا في أدراجه ومستودعاته، وفي حراسة الجهات التي ينبغي أن يكون في عُهدتها. لا يريد الرصاصُ شرّا بضحاياه، حين لا يكون في سلاحٍ متفلّتٍ وفي يد قاتل. لذا ربما، واحتراما لأرواح الضحايا، ينبغي أن نتوقف عن تسميته رصاصا طائشا، لأننا بذلك نمضي في تبرئة القاتل، وفي تبرير فعلته.
يعرف “الهمجيّ” الذي يشهر سلاحه، مطلقاً رصاصه في الهواء تحيةً لإطلالة زعيمه وخطابه، ومهدّدا من يجرؤ على المسّ بموقع هذا الأخير أو انتقاده، أو ذاك الذي يُطلق النار ابتهاجا بحفل زفاف، أو بتشييع ميت، بالفوز بانتخاباتٍ ما، أو انتشاءً بعشاءٍ متخمٍ بالكحول، .. إلخ، أن ما يفعله قد يرتدّ على آخرين. وأن نسبة الارتداد هذه ليست ضئيلةً بالمرّة، لأن رصاصه الغزير، رصاصه الوقح البربري الذي ينطلق في كل المناسبات، قد آذى مرار وتكرارا، حدّ القتل، فقد سبق له أن سمع حتما بأخبار كثيرين سقطوا غدرا، رأى صورهم التي تناقلتها وسائل الإعلام، ورأى أهاليهم مفجوعين، محروقي القلوب وهم لا يلوون على شيء. لقد علم عن ضحاياه وضحايا أمثاله كلّ شيء، أعمارهم، عائلاتهم، زملاءهم، عرف عن قصصهم وعن دراستهم وعن كيفية سقوطهم بنيران رصاصه. أدرك أن أحد هؤلاء الأبرياء كان طفلا في الثالثة، وأن آخر لم تعدُ سنُّه العاشرة، أن إحداهن كانت جالسةً على الشرفة بقرب والدتها تدخّن النارجيلة، وأن ثانيةً كانت مع حبيبها أمام مقهىً ليليٍّ ذات فجر. علم عن رجلٍ كان ببساطةٍ جالسا في بيته، وعن مسكينٍ آخر كان يقود سيارته. وهو لم يسمع عن ضحاياه فقط، بل لقد تحقّق أنهم جميعا تقريبا لم يكونوا على مقربةٍ منه، ولم يكونوا مشاركين في الحدث الذي أثار انفعاله، وجعله لا يُرخي يده عن الزناد. 
تعرف، أيها الهمجيّ البربريّ المتوحش، أنهم كانوا مسالمين، جالسين في حيواتهم الصغيرة، مستورين لا يبحثون عن الإثارة أو عن مواجهة الأخطار. كانوا يحيون لحظاتهم المتواضعة، يصرفون الوقت في مهامهم، يجالسون أحبّتهم، ينامون، يدخنون، يسوقون، يلعبون، يتحادثون، يحبّون، يتنفسّون، تنبض قلوبهم، تسري الدماء في عروفهم.. ثم فجأة، اخترقتهم رصاصتك، وأوقفت هذا كلّه. 
اعلمْ إذاً أن رصاصتك لم تكن طائشةً، وأنها قد أصابت، كما في كل مرة، صغيرا وكبيرا، امرأة ورجلا. تيقّنْ وعِ إنك قاتل، وإنك بلى مذنبٌ بموتهم، بقتلهم، لأنك وإنْ لم تكن تقصد أحدا بعينه، كنت مدركا أنك ستَقتل وتنفد من دون محاسبة، أنك ستغتال وتفلت دونما عقاب، لذا لا تقل إنها إرادة الله ومشيئة الربّ أن يُسقط بواسطة يدك وسلاحك، هذا أو ذاك، هذه أو تلك.
واعلمْ أيها “البريء” أن هناك نصوصاً قانونيةً تجرّم إطلاق الرصاص. كالمادة 75 من المرسوم الاشتراعي الرقم 137 الصادر عام 1959، والمعدّل في 1966، والتي تنصّ على أن “كل من أقدم، لأي سببٍ كان، على إطلاق عياراتٍ نارية في الهواء من سلاح حربي مرخّص أو غير مرخّص به، يُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامةٍ من ثمانية أضعاف إلى عشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور. ويصادر السلاح في جميع الأحوال، ويمنع الجاني من الاستحصال على رخصة أسلحةٍ مدى الحياة”. أمّا إذا تسبب إطلاق النار بموت الضحية، فيعاقب الجاني بالأشغال الشاقة مدةً لا تقل عن عشر سنوات، ولا تتجاوز الخمس عشرة سنة…”.
لكن، ما شأنك أنت أصلا بالقانون والعقوبات، فأنت، وإنْ أوقع رصاصُك ضحيةً، ستعيد الكرّة في المرة المقبلة، إذ ما الذي يثبت أنه رصاصك أنت، وما أدراك، وليكن فداءً للزعيم، للنائب، للرئيس.. وفي نهاية المطاف، يُشخّص الرصاصُ طائشا فيما تبقى أنت، سيَداً حرّاً طليقاً، أيها الـ…

نجوى بركات

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا