ليبيا.. الصراع على الهلال النفطي وأثره في مسارات الأزمة

بعد أقل من أسبوعين على خسارتها منطقة الهلال النفطي، والتي تحتوي على ما نسبته 60% من احتياطيات ليبيا النفطية، تمكّنت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر من استرداد الجزء الأكبر من المنطقة التي تمتد على طول 205 كيلومترات من مدينة السدرة غربًا إلى طبرق شرقًا. وكانت “سرايا الدفاع عن بنغازي” قد تمكنت في وقت سابق من مارس/ آذار الجاري من إحكام قبضتها على مدن النوفلية وبن جواد والسدرة ورأس لانوف، بعد أن طردت قوات حفتر منها.
مثلت خسارة الهلال النفطي ضربةً كبيرة للواء حفتر الذي عمل جاهدًا للسيطرة عليها في سبتمبر/ أيلول الماضي، لتقوية مواقعه التفاوضية في مواجهة خصومه السياسيين، وتقديم نفسه للقوى الخارجية باعتباره رجل ليبيا القوي الذي يمكن الاعتماد عليه. في المقابل، تعزّزت مواقع حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، إذ وضعت “سرايا الدفاع عن بنغازي” المنابع والموانئ النفطية التي انتزعتها من قوات حفتر بتصرّف حرس المنشآت النفطية التابع لحكومة الوفاق الوطني، لكن استعادة حفتر هذه الموانئ أعاد الأمور إلى النقطة التي كانت عندها قبيل عملية “العودة إلى بنغازي” التي أطلقتها سرايا الدفاع عن بنغازي في يوم 2 مارس/ آذار الجاري، ومن الواضح أنه لا توجد حاليًا قوة عسكرية في ليبيا قادرة على فرض هيمنتها.

مفاجأة الهلال النفطي
منذ إطلاقها عملية “الكرامة” مطلع عام 2014، بذريعة محاربة الإرهاب، تمركزت قوات

“القاسم المشترك بين القوى التي رفضت اتفاق الصخيرات تفضيلها الصراع على الزعامة والسلطة على التصدّي لتحدي بناء الدولة”

حفتر في محيط مدينة بنغازي، من دون أن تتمكّن من دخولها، على الرغم من الدعم الذي حظيت به من قوى خارجية، في مقدمتها مصر والإمارات وفرنسا. وبعد التوصل إلى اتفاق الصخيرات في ديسمبر/ كانون الأول 2015، حاول حفتر الطامح إلى حكم ليبيا، ويدعمه في ذلك رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، تغيير توازنات القوى على الأرض، لفرض شروطهما في المفاوضات، وذلك بعد أن رفضا اتفاق الصخيرات، مثلما رفضته بعض القوى في طرابلس. ويعد القاسم المشترك بين القوى التي رفضت الاتفاق تفضيلها الصراع على الزعامة والسلطة على التصدّي لتحدي بناء الدولة والمؤسسات، وهو التحدّي الرئيس الذي يواجه ليبيا اليوم.
وفي 12 سبتمبر/ أيلول 2016، تحرّكت قوات حفتر باتجاه منطقة الهلال النفطي، وسيطرت على مينائي السدرة ورأس لانوف، ثم ميناء الزويتينة؛ لتُحكِم بذلك سيطرتها على كامل الهلال النفطي، مستفيدةً من تعاون بعض القبائل التي تسكن المنطقة. وعلى الرغم من الإدانات الدولية (الولايات المتحدة، وإيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا) هذه الخطوة، ومطالبة قوات حفتر بالانسحاب وتسليم الحقول النفطية إلى حكومة الوفاق الوطني، فإن هذه الإدانات اللفظية لم تلق أي تجاوب. فقد شجعت هذه الإنجازات حفتر على التفكير في حسم الموقف لمصلحته كليًا عبر التوجه إلى العاصمة طرابلس التي تسودها حالة من فوضى السلاح، تعرقل سيطرة الحكومة المؤقتة على المدينة. وبينما كان حفتر يزعم، بحسب رئيس أركانه عبد الرازق الناظوري؛ أن قوات الجيش وعناصر الداخلية على بعد كيلومترات من العاصمة طرابلس، فاجأته قوات سرايا الدفاع عن بنغازي بالسيطرة على منطقة الهلال النفطي، منطلقة من منطقة الجفرة جنوبًا. 

من هي سرايا الدفاع عن بنغازي؟
تأسست سرايا الدفاع عن بنغازي في يونيو/ حزيران 2016 من مجموعات من ثوار بنغازي الذين دخلوا في مواجهاتٍ مع قوات حفتر بعد عملية الكرامة التي أطلقت مطلع عام 2014، ما اضطرهم إلى التوجه غربًا نحو طرابلس. كما تضم السرايا مجموعاتٍ من ثوار مصراته ومتطوعين من مدينة درنة، استهدفهم أيضًا حفتر. وقد تمركزت هذه المجموعات في مدينة الجفرة، واتخذت من دار الإفتاء في طرابلس مرجعية لها، كما جاء في بيان التأسيس (وكما هو معلوم تعارض دار الإفتاء في طرابلس أيضًا اتفاق الصخيرات). 
ومع أن السرايا رفضت اتفاق الصخيرات أيضًا، فإنه بدا لافتًا مطالبة آمر سرايا الدفاع عن بنغازي، مصطفى الشركسي، المجلس الأعلى للدولة بإعلان منطقة الهلال النفطي منطقة عسكرية مغلقة، ووضع المنشآت والموانئ النفطية في عهدة حكومة الوفاق الوطني التي يقودها السراج؛ ما عده بعضهم حينها مؤشرًا على إمكانية إعادة توحيد معسكر “فجر ليبيا” من جديد، بعد انقسامه بسبب المواقف من اتفاق الصخيرات، واعتبره آخرون مجرد غطاء لكسب الشرعية الدولية للعملية. 

الانعكاسات على العملية السياسية
تعكس التطورات العسكرية أخيرا حدة الصراع بين مختلف القوى والأطراف السياسية

“يحاول كل طرف جاهدًا بسط نفوذه وتغيير معادلات القوة لتعزيز مواقعه التفاوضية. وتعد منطقة الهلال النفطي ورقة مهمة في هذا الصراع”

والعسكرية على الساحة الداخلية الليبية؛ إذ يحاول كل طرف جاهدًا بسط نفوذه وتغيير معادلات القوة لتعزيز مواقعه التفاوضية. وتعد منطقة الهلال النفطي ورقة مهمة في هذا الصراع. ويتوقع أن يستثمرها حفتر بعد استعادتها إلى أقصى حد، لتعديل اتفاق الصخيرات بما يتوافق ومصالحه. وهو ورئيس البرلمان عقيلة صالح يتمسكان بالمادة الثالثة عشرة من الاتفاق السياسي التي تنص على أن البرلمان المنتخب في يونيو/ حزيران 2014 (برلمان طبرق) هو الذي يتولى سلطة التشريع للمرحلة الانتقالية، والمخوّل بمنح الثقة للحكومة وسحبها. كما تُعتبر المادة الثامنة من الاتفاق نقطةً خلافيةً، بحكم أنها تمنح المجلس الرئاسي سلطة تحديد القيادات العليا في جميع مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، بمجرد توقيع الاتفاق، وليس عند منح الثقة من البرلمان (كالقيام بأعمال القائد العام للجيش الليبي، وتعيين رئيس جهاز المخابرات العامة وإقالته، وتعيين السفراء وممثلي ليبيا في المنظمات الدولية وإعفائهم، إضافة إلى تعيين كبار الموظفين وإعفائهم من مهماتهم)؛ ما يعني شغور المناصب القيادية في الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية وهو أمر رفضه حفتر، على اعتبار أن ذلك يستهدف دوره وسلطاته. وبناء عليه، رفض مرات عديدة لقاء رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، بذريعة أن دوره في ليبيا هو محاربة الإرهاب، وليس الدخول في مفاوضات حول الاتفاق السياسي؛ وهو في الحقيقة يحارب الاتفاق السياسي، ما أدى إلى فشل جهد القوى الإقليمية، بما فيها الداعمة له، وتحديدا مصر، في إحداث اختراق في جدار الأزمة.

موقع المجلس الرئاسي 
حصل المجلس الرئاسي على دعم إقليمي ودولي مهم منذ وصوله إلى العاصمة طرابلس في مارس/ آذار 2016، كما حاز تأييد المؤسسات الليبية المهمة (مالية، ونفطية، ومجالس بلديات، ووزارات)، إلى جانب الحصول على دعم عسكري وأمني بعد أن قرّرت كتائب الثوار في مدينة مصراته، وهي القوة الأفضل تدريبًا وتسليحًا في الغرب الليبي، دعم شرعية المجلس. مع ذلك، لم يمتلك المجلس القدرة على إدارة غرب البلاد على أقل تقدير؛ وما زال تشظي الكتائب المسلحة (بما في ذلك بعض كتائب مصراته) يسبب صدامات مسلحة، وتوتر في العلاقات بين المسلحين والسكان. كما لم يحقق المجلس انسجامًا بين أعضائه، وشهد مقاطعة بعضهم وانسحابهم، وعجز عن توفير الأمن والمتطلبات الاقتصادية للمواطنين.
ويشار إلى أن الانتصار الذي حققته كتائب مصراته، المدعومة من حكومة الوفاق الوطني، في طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من سرت، بعد عملية “البنيان المرصوص”؛ قاد إلى فقدانها جزءًا مهمًّا من قوتها، وفي الوقت نفسه، لم ينتج منها قوة عسكرية مركزية منظمة، فلم يتمكّن المجلس الرئاسي من استثمار هذه التضحيات، لا لجهة إيجاد مزيد من الشرعية في الداخل، أو تأمين مزيد من الدعم من الخارج. على العكس، أدى ضعف كتائب مصراته وتشرذم بعضها إلى إضعاف قبضة حكومة الوفاق على طرابلس التي تشهد حالة متنامية من الفوضى والاضطرابات؛ ما يضع الحكومة أمام تحدّي ضبط الأمن، واستعادة الاستقرار، على المستوى الداخلي.
فضلًا عن ذلك، فشل المجلس في التصدي للتحدّي الذي وضعته، أخيرا، أمامه سرايا الدفاع عن بنغازي، بعد أن انتزعت الهلال النفطي من يد قوات حفتر، وقرّرت تسليم حقول النفط وموانئه لحرس المنشآت النفطية التابع لحكومة الوفاق، فقد عجز وزير الدفاع في حكومة السراج، المهدي البرغثي، عن تشكيل قوة عسكرية بالسرعة المطلوبة لدعم المنشآت النفطية المستردة، وإسنادها وحمايتها، ما مكّن حفتر من استعادتها.
أما دوليًا، فما زال السراج يأمل في تجاوب حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع طلبه الذي قدمه على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، بتوفير الدعم لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية في بلاده. وقد أوضح الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبيرغ، أن الحلف سوف يدرس، في أقصى سرعة ممكنة، الطريقة التي يمكن تلبية الطلب من خلالها. 

تداعيات التطورات 
بعد أن أخذ ميزان القوى يميل لمصلحة كتائب الثوار الموالية لحكومة الوفاق الوطني، إثر

“رفض حفتر لقاء فايز السراج، بذريعة أن دوره في ليبيا هو محاربة الإرهاب، وليس الدخول في مفاوضات حول الاتفاق السياسي”

السيطرة على الهلال النفطي، عادت الأمور إلى سيرتها الأولى، بتمكّن حفتر من استعادة الجزء الأكبر من المنشآت النفطية، فقد عزّز مواقعه، في ظل دعم إقليمي، وفرته له القاهرة التي ناشدت المجتمع الدولي دعم قواته في سياق ما اعتبرته حربًا على الإرهاب، وطالبت برفع حظر السلاح عن هذه القوات. في الوقت نفسه، بينت تقارير نشر روسيا قوات خاصة في قاعدة سيدي براني غرب مصر وقرب الحدود الليبية، لدعم جهد حفتر في استعادة الهلال النفطي، على الرغم من ادعاءات موسكو أنها لا تدعم طرفًا ضد آخر في ليبيا، وتقف مع الشرعية في كل مكان.
ومن المرجح أن تنعكس التطورات الأخيرة في الهلال النفطي سلبيًا على موقف حكومة الوفاق التي تواجه أيضًا حالة اقتتال داخلي في العاصمة طرابلس، بين القوات التي تتبع لها من جهة وقوات تدعم حكومة الإنقاذ التي يرأسها خليفة الغويل، والتي تبسط سيطرتها على غرب العاصمة من جهة أخرى، وترفض اتفاق الصخيرات، وتؤكد أنها الطرف الذي يجب أن يجري التفاوض معه.
لكن، في جميع الأحوال، ومع الضعف الذي تعانيه حكومة الوفاق الوطني، لن تسمح التركيبة السياسية والقبلية والجهوية والمواقف الإقليمية والدولية بنصر عسكري لطرف على آخر في الصراع الدائر في ليبيا، منذ انتصار الثورة على نظام القذافي، والمكتسبات التي يحققها طرفٌ سرعان ما يتم فقدانها، في ظل تغير خريطة التحالفات والمواقف السياسية للقوى الفاعلة على الأرض. لذلك، سوف على الليبيين، في نهاية المطاف، العمل على التوصل إلى شراكة سياسية لإدارة شؤون البلد وإعادة الإعمار، من دون الحاجة إلى العودة إلى نقطة الصفر في ظل إمكانية البناء على اتفاق الصخيرات الذي وافقت عليه أكثرية القوى السياسية الليبية. ومن دون ذلك، ستستمر حالة الصراع والفوضى والتدخل الإقليمي والدولي وبروز أجندات وعناوين لا تخدم القضية الوطنية الليبية، ولا حق الليبيين في العيش بكرامة في وطن آمن موحد، يحكمه نظام حكم تمثيلي. 
ومن الواضح أنه لن يكون ممكنًا التقدم في تنفيذ الاتفاق، وتحقيق الوفاق، من دون توفير الأمن والأمان للسكان، ومن دون فرض المؤسسات وقراراتها على القوى المسلحة. ويتطلب ذلك بناء جيش وأجهزة أمنية ملتزمة بمؤسسات الدولة، بحيث تستوعب من يمكن استيعابه من المسلحين، وفرض هيبة الدولة في المستقبل على من يرفض.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا