مافيا تُهلك بساتين النخيل العراقية بدعم مسؤولين حكوميين

للشهر الثاني على التوالي، يستمر إهلاك بساتين النخيل العراقية على مساحات تقدر بآلاف الهكتارات، من خلال عمليات حرق أو قطع متعمدة تجري ليلاً أو عبر نشر أمراض تتسبب بتلف النخيل وموت أعداد كبيرة منه، لتبوير هذه المزارع بغرض تغيير نشاطها إلى عقاري.
وتقوم جماعات متخصصة بعمليات إعدام النخيل بهدف إخراج مزارعه من التصنيف الزراعي إلى تصنيف الأراضي البور، ما يسهّل شراء هذه المزارع من الدولة لإقامة مشاريع سكنية أو تجارية عليها، بمساعدة موظفين ومسؤولين حكوميين.
وكشف وزير عراقي في حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي لـ”العربي الجديد” عن تلف نحو 8 آلاف هكتار مزروعة بالنخيل، كلها تابعة للدولة، داخل بغداد وحزامها الجنوبي والشمالي فضلاً عن البصرة وديالى وبابل والنجف وكربلاء خلال شهرين فقط بسبب حرائق مفتعلة أو قطع جائر يتم ليلاً أو بأمراض أصيبت بها بشكل مفاجئ وغريب، دون أن يتم فتح تحقيق في أي من تلك الحوادث.


 هذه الظاهرة مستمرة منذ عامين لكنها نشطت في الشهرين الماضيين بشكل غير مسبوق

ويمنع القانون العراقي تحويل نشاط الأراضي الزراعية إلى سكنية أو تجارية ما لم تنتفِ صفة الزراعة عن تلك الأراضي أو أن تكون قد اعترضت مشروعاً للطرق أو مشروعاً يتعلق بالقطاع النفطي في البلاد، وهو سبب كاف لتشكيل مافيات نخيل في العراق تتخصص في مثل هكذا جرائم، حسب الوزير العراقي.
وبين الوزير، الذي طلب من “العربي الجديد” عدم نشر اسمه لحين استكمال البيانات الرسمية التي تتعلق بهذا الملف، أن خسائر العراق بسبب تلك الجرائم التي تطاول قطاع الثروة الزراعية في العراق بلغت أكثر من 12 مليون دولار خلال شهرين، حيث كانت تلك البساتين تنتج بشكل سنوي تموراً مخصصة للتصدير لدول الخليج وأوروبا من أصناف متميزة، فضلاً عن أضرار تصيب البيئة وتؤثر على طبيعة المناخ في بغداد والمدن التي تعرضت لتلك الجرائم. 
ويقول عضو نقابة الفلاحين العراقية محمد عبد الودود في حديث لـ”العربي الجديد”: “اعتبار الجرائم بدأت خلال شهرين فقط خطأ يجب تصحيحه. هذه الظاهرة مستمرة منذ عامين لكنها نشطت في الشهرين الماضيين بشكل غير مسبوق”.
وأضاف عبدالودود أن أكثر من ثلاثة ملايين نخلة قتلت خلال أقل من عامين في العراق.
وكما أن هناك مافيات لقتل النخيل، فإن ثمة شبكات أخرى تتخصص في سرقة فسائل النخيل بعد قتل الأم وتهريبها إلى إيران ومناطق أخرى.
ويقول حميد صالح حمود، رئيس المجلس البلدي لناحية البحار التابعة لقضاء الفاو في البصرة على الخليج العربي، إن هناك مشكلة أخرى تقف وراء انخفاض عدد أشجار النخيل في البصرة، وهي تهريب الفسائل من النوع الجيد المسمى محلياً بالبرحي إلى إيران ودول أخرى عبر شط العرب، على رغم ندرة هذا النوع، حيث تباع بأسعار مرتفعة هناك. 
ووفقاً لإحصاء عراقي نُفذ عام 2002 قبيل احتلال البلاد، بلغ عدد النخيل قرابة 30 مليون شجرة، إلا أن إحصائية جديدة صدرت عام 2014 سجلت وجود 16 مليون نخلة فقط. وعزت الحكومة آنذاك ذلك إلى الحرب والمعارك وهجرة الفلاحين من الريف إلى المدن. 
والأسبوع الماضي، كشف النائب في البرلمان العراقي مازن المازني، أن هناك أيادي خفية تحاول تدمير الاقتصاد العراقي.
وأوضح المازني في بيان نقلته وسائل إعلام محلية عراقية أن “هناك مؤشرات من مديرية الزراعة عن إصابة أشجار النخيل في البصرة بشكل مفتعل بأمراض تؤدي إلى تيبسها وتلفها بسرعة”.
وأكد موظف في أمانة بغداد، في حديث مع “العربي الجديد” اشترط خلاله عدم الكشف عن اسمه، أن 17 بستاناً للنخيل تابعة للدولة تم تدميرها خلال الأسابيع الماضية في مناطق الكاظمية والدورة والجادرية والطارمية وأبو غريب من خلال الحرق أو نقل عدوى إليها من مناطق أخرى مثل أمراض حشرة الدوباس أو الفطرين أو سوس النخيل وصدأ السعف.
وقال: “خلال شهر أو اثنين على الأكثر من نقل المرض، يتحول البستان إلى أرض قاحلة، وبعد أيام يقوم أحدهم بتقديم طلب مساطحة (استثمار لمدة 30 عاماً) لهذا البستان ويبني عليه مشروعه أو يقوم ببناء وحدات سكنية عليه”.
وبيّن الموظف، أن مسؤولين ونافذين وأعضاء برلمان وسياسيين، متورطون في مافيا قتل النخيل العراقي، قائلاً إن “الملف أكبر من أن يكشفه موظف صغير يُمكن أن يُقتل”، في إشارة إلى نفسه. 
وأوضح أن قيمة بعض البساتين التي أحرقت أو أُتلفت وتحولت إلى منطقة استثمار حجزها نافذون بالدولة، تبلغ أكثر من 50 مليون دولار. 
وتابع: “مثلاً بستان نخيل بين الجادرية والدورة في بغداد مساحته 10 آلاف متر تابع للحكومة أُتلف نخيله بشكل مفاجئ وبعد شهر تسلمه عضو بحزب إسلامي مشارك في السلطة حالياً”.

اقــرأ أيضاً

المناطق المحررة بالعراق بلا تجارة… والفقر يحاصر المواطنين

بغداد ــ أحمد النعيمي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا