ما هي مهنة الكاتب؟

في إحدى دعواتي الشعرية إلى أوروبا، سألني شاعر أوروبي: هل لدى “الإيجنت” الذي تعتمدينه علاقات قوية في أوروبا، أم فقط في بلادكم العربية؟ ابتسمت بسخرية قبل أن أجيبه بأنني لست متعاقدة مع أي “إيجنت”، وهذه الوظيفة في بلادنا العربية شبه معدومة، وإن وجدت فهي خاصة بالموسيقيين والمطربين والممثلين. أما الشعراء والكتاب فهم خارج هذا الموضوع تماما. و”الإيجنت”، أيها السادة، هو ما يشبه وكيل الأعمال الذي يقوم بالترويج الإعلامي لعميله الكاتب، وينظم له عقود الطباعة والترجمة والنشر والمحاضرات والأمسيات والندوات والمهرجانات المحلية والدولية. ويتفاوض على الأجور المطلوبة، وعلى عدد النسخ المطبوعة وعدد الطبعات، ويجد المحرّرين الذين يخرجون له كتبه في شكلها النهائي، قبل طباعةٍ خاليةٍ من الأخطاء، وهو الذي ينظم حقوق الكاتب، ويحصل عليها قانونيا، وذلك كله مقابل نسبة معقولة من أرباح الكاتب. وبالطبع، للإيجنت الواحد أكثر من كاتب عميل، وبالتالي أجره سيكون عاليا، في مقابل ما يقدّمه لهم من خدمات، لعل أهمها الحقوق المادية والانتشار الإعلامي وتأمين ناشر محترم.
استغرب الشاعر الأوروبي كلامي، وسألني: كيف أدعى إذا، أنا وغيري من العرب، إلى مهرجانات شعرية دولية؟ وسأل إن كنا نحن من يقوم بمراسلة الجهات المنظمة للمهرجانات لدعوتنا! قلت له إننا أيضا لا نفعل ذلك، وإننا غالبا لا نحترم الشاعر الذي يفعل هذا، أما كيف تتم دعوتنا فهذا عبر جهد شخصي من المنظمين للمهرجانات، مضافا إليه بعض العلاقات الشخصية التي لا بد من وجودها. وكان استغرابه مضاعفا حين سألني عن المبلغ الذي يتقاضاه الشاعر لقاء طباعة كتابه، فأخبرته أن الشاعر العربي، إلا باستثناءات قليلة جدا، هو من يدفع للناشر، كي ينشر كتابه، وأن من يجد ناشرا لا يتقاضى ثمن طباعة الكتاب يكون محظوظا جدا، إذ سوف يكون قد التقى بناشر يقدّر قيمة الكتابة وقيمة الكاتب. 
قال: من أين تعيشون إذا؟ ألا تعيشون من كتابتكم؟ أليست هذه مهنتكم؟ يبدو هذا السؤال بالغ الأهمية للكتاب العرب، أو على الأقل لمن ما زالوا يعيشون في البلدان العربية، إذ لا يمكن لأحد أن يعرّف عن مهنته كاتبا، فالكتابة ليست حرفة ولا مهنة، إلا للذين يعملون في الصحافة وظيفة يومية، أو يكتبون مقالات صحفية أسبوعية أو شبه أسبوعية. هؤلاء فقط يمكن للكتابة أن تكون بمثابة المهنة لهم، أما الآخرون، وهم الأغلبية، فهم غالبا يعملون في أعمال أخرى، متنوعة ومختلفة، أعمال (بتطعمي خبز) كما يقولون، إذ لا يمكن التعويل في بلادنا على الكتابة الإبداعية للعيش بكرامة، فمجتمعاتنا أصلا لا تحترم هذه الشريحة من البشر، وتنظر إليها بوصفها شريحة غريبة الأطوار، وخارجة عن السياق العام. وفي المقابل، تتعامل الأنظمة الحاكمة معها كما لو كانت سقط متاع، وتخلق بدلا عنها فئةً من الكتّاب معدومي الموهبة الإبداعية، لكنهم موهوبون جدا بالتملق والنفاق، ويحصلون على كل ما تطاوله أيديهم من امتيازات. أما دور النشر العربية فقد استطاعت ترويج فكرة أن العرب لا يقرأون، وبالتالي فالكتاب “بضاعة خاسرة”. لذا، فهي في غالبيتها لا تعطي أية حقوق للكاتب، إلا في حال كتّاب الروايات التي حصلت على جوائز كبيرة.
 أما الشعر وباقي أنواع الكتابة الإبداعية فهي بالنسبة لدور النشر عبء ثقيل، على الشاعر أن يتحمل كلفته، كي يضمن وجود اسمه في معارض الكتب. أما الصحافة الثقافية فيبدو دورها غريبا في تكوين نظرة استعلائية نحو الكتابة الإبداعية وأصحابها، إذ ترفض معظم الصحف الثقافية منح مكافأة عن النص الإبداعي، بينما يمكنها الدفع في مقابل مقال متوسط الطول عن ديوان شعر للشاعر الذي نشر له نص من دون مكافأة، وكأن الشعر يهبط بباراشوت الوحي فعلا، كأنه لا يأخذ من أعصاب كاتبه، ولا من وقته وجهده، مثلما تأخذ كتابة مقالٍ من وقت صاحبه وجهده. 
ثمّة في ذلك كله ما يوحي بأن الكتابة الإبداعية مهنة غير مستحبة من أحد. لهذا ربما إذا ما سألني أحدهم ذات يوم عن عملي قد أقول إنني شاعرة، لكنني “بشتغل شغلانة شريفة باكل منها عيش”.

رشا عمران

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا