محاولة لسرقة انتصار القدس

قال أحدهم، وقوله باطل طبعا، إن ما حدث من انتكاسة للصهاينة في المسجد الأقصى “مسرحية قطرية صهيونية، لتلميع الدوحة، وقناة الجزيرة”، بينما تحدّث آخرون عن جهود للحاكم الفلاني، أدت إلى إعادة فتح المسجد الأقصى، وإزالة البوابات الحديدية عند بواباته الشريفة.
وبينما كان هؤلاء، ومن سار على دربهم، ينشرون هذه الأقاويل على منصات التواصل الإجتماعي، كان آلاف يرابطون عند المسجد الأقصى، دفاعاً عن كرامة مليار ونصف المليار مسلم، غير آبهين بما ينشر، متجاهلين صمت الأنظمة العربية التي تركتهم وحدهم يقارعون العبث الصهيوني. وعندما كتب الله لهم النصر بعد أسبوعين من الثبات، سارع مطبلون إلى أن ينسبوا النصر لأسيادهم، ويتباهون بما ليس لهم حق فيه. هؤلاء ستلعنهم القدس، لو كان لها لسان ينطق على أقل تقدير. المقدسيون وحدهم من انتزع النصر ووحدهم من انتصر على الإجراءات الصهيونية، وما عدا ذلك زور وبهتان.
سطّر المقدسيون وأبناء فلسطين ملحمة ثبات عند مداخل المسجد الأقصى، وتعرّضوا للاعتداءات المتكرّرة، وقدّموا شهداء سالت دماؤهم الزكية، وهم يرابطون لأجل أن يبقى الأقصى مسجداً لا هيكلاً يهودياً، ولم تكن قناة الجزيرة ومعها بضع قنوات إلا صوتاً حراً نقل أصواتهم وصمودهم ليراها من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ويفترض هذا الأمر أن تقوم به بقية الفضائيات العربية، خصوصا في موضوع يتعلّق بقضية مقدّسة عند المسلمين جميعاً.
لا أدري لماذا يقلّل بعضهم من انتصار المرابطين، ويحاول اختزال هذا النصر بحسابات إقليمية، أو باتصالات دبلوماسية في محاولة لسرقة ما أنجزه المقدسيون، والتقليل من نضالهم، خصوصاً، وأنّ هذا الإنتصار حدث في ظروف خطيرة جداً، ومرحلة يروّج فيها للتطبيع مع الكيان الصهيوني، من دول عربية لها وزنها.
يكتسب انتصار الإرادة المقدسية أهميته من الظروف المأساوية التي تعصف بالمنطقة العربية، والتي نبحث بين ثناياها عن بصيص أمل، كما يكتسب هذا الإنتصار قيمته من التصريحات التي تسعى إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتصفية القضية الفلسطينية مقابل سلام زائف لن يحدث إطلاقاً، إلا من طرف واحد، من يتنازل عن فلسطين. هذا الإنتصار كان رسالة واضحةً لمن يقف خلف هذه التصريحات المشبوهة بضرورة مراجعة ما تكلمت به ألسنتهم وضبط إنفلاتها مستقبلاً.
قبل شهر ونيّف، تجرأ وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، على مطالبة قطر بوقف دعم حركة حماس، وبعده تجرّأ سفيره في الجزائر على نعت الحركة بأنها “إرهابية”، وهما (التصريحان) يعكسان جرأة غير مسبوقة، استفزّت الشارع العربي والإسلامي الذي استغرب هذه التصريحات العبثية، غير أنّ الوزير المذكور لم يجرؤ على استنكار استفزاز الصهاينة لمشاعر الملايين من المسلمين، وإغلاقهم المسجد الأقصى، في مفارقة تعكس مدى التخبّط الذي طرأ على العقيدة والثوابت السياسية الوطنية لبعض الأنظمة العربية، بما يتماشى مع كذبة السلام.
لم يكن الجميع يتوقع أن ترضخ عصابة نتنياهو لإرادة المقدسيين خلال هذه الفترة الوجيزة، وتزيل البوابات التي وضعتها لتقييد المصلين وفرض الوصاية عليهم، خصوصاً وأنّ سكوت الأنظمة العربية كان أقرب إلى المثل: “السكوت علامة الرضا”، وبينما انشغل حكام السعودية والإمارات ومصر بكيفية التضييق على الشعب القطري، ومحاولة إخضاعه بما توّفر من أدوات وإعادته إلى بيت الطاعة.
كان نتنياهو يمارس هذه اللعبة بشكل مصغر لإخضاع المقدسيين، وكما فشل حكام الخليج في إخضاع الشعب القطري، فشل صديقهم في إخضاع المقدسيين، وبين الحالتين، يبرز الصمود وسيلة فعالة في ساحة المواجهة، سواء كان العدو صهيونيا يهودياً أو صهيونياً عربياً.
وبما أنّ بعض الأنظمة العربية حاولت تسويق نفسها عبر هذا الصمود المقدسي، ونسبت لها ما لم تقم به، كان من الأولى عليها أن توقف قطار التطبيع، كأقل واجب تقوم به تجاه القضية الفلسطينية، بدلا من سرقة هذا الإنتصار، واستغلاله لكسب التعاطف الشعبي الذي تراجع بشكل كبير خلال الأيام الماضية.
وقف المقدسيون على أقدامهم وحرائر القدس من خلفهم، وقدّموا شهداء في سبيل فتح المسجد الأقصى، ثم يأتي من هو خلفهم جميعاً، ليسرق انتصارهم، ويتاجر به، بعد أن سرق منهم جزءا من قضيتهم، ويسعى إلى أن ينهيها في مقابل البقاء على العرش فقط لا أكثر.

منذر فؤاد (اليمن)

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا