مختصون في التغذية: الملح بريء من كل التهم المنسوبة إليه

لقد قيل الكثير حول الملح خلال فترة تمتد على 40 عامًا، كما حذرنا الكثير من الأطباء من أنه مضر كالتدخين، أو عدم ممارسة الرياضة، ووضعوا لنا مقدار ملعقة شاي كحد أعلى ينصح به به خلال اليوم، وانتشرت دراسات كثيرة تقول إن هذه المادة البيضاء لا تسبب الإدمان فقط، بل هي قاتلة، الكثير منها يرفع ضغط الدم، والذي بدوره يؤدي إلى إيذاء القلب، وعلينا بالتالي أن نتعلم العيش بمتعة أقل، وصحة أكبر، من دونه!

يفاجئنا الدكتور جيمس دينيكولانتونيو، المحرر المساعد في المجلة الطبية “القلب المفتوح”، التي تنشر بمشاركة مع “جمعية أمراض القلب والشرايين البريطانية”، بأن كل المفاهيم السابقة عن الملح خاطئة.

فبالاعتماد على دراسات علمية عن القلب والشرايين، قام بها معهد سانت لوكا لأمراض القلب، “لم يتم إيجاد أي دليل علمي ملحوظ يدعم فكرة وجوب عدم تناول الملح، بل على العكس من ذلك، إن تناول كميات قليلة جدا منه، يمكن أن يسبب صدمة أنسولين، ويزيد تخزين الشحوم، ومخاطر الإصابة بالسكري، إضافة إلى التأثير على الحياة الجنسية للإنسان”.

الدراسات القديمة كانت تخبرنا بأن الحد المسموح به من الملح هو 2.4 غرام من الصوديوم، أي 6 غرامات يوميًا، هذا إذا لم تكن تعاني من أمراض تم ربطها به مثل ارتفاع ضغط الدم، عليك حينها ألا تتناول ما يزيد على ثلثي ملعقة شاي كجرعة يومية.

ويعلق الدكتور جيمس على ذلك قائلًا: “بما أن الملح عنصر أساسي تعتمد عليه أجسامنا لتستمر في الحياة، فإن هذا النوع من الدراسات يعارض غرائزنا الطبيعية، إذا تركنا الناس يضعون الملح بحسب رغبتهم، فإننا سنلاحظ بأنهم على اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم الاجتماعية، سيستهلكون قرابة ملعقة شاي ونصف منه خلال اليوم، فإذا كنت ممن يحاولون قطع استهلاكهم من الملح، سيسرّك أن تعرف أن تناولك له يندرج ضمن الطبيعي”.

ويتابع: “حاجتك البيولوجية هي ما يدفعك لتناوله، فنحن كائنات ملحية، نبكي ملحًا، نتعرق ملحًا، كما أن خلايانا تسبح في السوائل الملحية، ومن دونه لن نكون قادرين على الحياة، إنه يساعد الجسم على مقاومة الصدمات، ويخفف من النزف، إذ إننا نلاحظ فقداناً في سوائل الجسم عند حالات الصدمة، كالحروق مثلًا، ويرجع ذلك إلى أن المناطق المصابة تمتص السوائل لتسريع الشفاء، وهنا يحتاج الجسم بشدة إلى مخزونه من الملح، للحفاظ على سلامة الدورة الدموية، ومقاومة انهيار الشرايين”.

ويضيف الدكتور جيمس موضحاً أضرار الأنظمة الغذائية القليلة الملح: “قد تقلل القدرة الجنسية، وتثبط التغيرات التي تؤدي إلى الحمل، بالإضافة إلى التأثير على وزن المواليد الجدد”، ويؤكد أن الدراسات السريرية تثبت أن “التقليل من الملح قد يؤدي أيضًا إلى ضعف الانتصاب، والتعب، والتأثير على العمر الذي تبلغ فيه الفتيات”.

قد يخطر على بالك أن تتساءل “إذا كان الملح مفيدًا بهذه الطريقة، لم يحاول الأطباء حرماننا منه إذًا؟”

إن الفرضية الطبية التي طرحت منذ أكثر من مائة عام، والتي اعتمدت على دراسة 6 مرضى فقط، تقوم على نظرية بسيطة وواضحة مفادها أن تناول كميات كبيرة من الملح، تسبب ارتفاعاً أكبر في ضغط الدم، وهي على غرار الفرضيات الطبية المبسطة، مبنية على سوء فهم جوهري للعلم، حيث إنها تبرر ذلك بأن الإنسان عندما يتناول كميات كبيرة من الملح سيشعر حتمًا بالعطش، ولكن جسمه سيحتفظ بهذه الكمية من الماء، للتخفيف من ملوحة الدم، إلا أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع في الضغط، ومشاكل في القلب.

حسنًا، هذا قد يكون منطقيًا، إلا أنه غير مدعوم بوقائع ملموسة، فالدلائل الطبية تقول إن 80% من الناس ذوي ضغط الدم الطبيعي، لا يعانون ضغطًا مرتفعًا عند تناول جرعات كبيرة من الملح، كما أن ثلاثة أرباع المرضى بارتفاع الضغط، غير حساسين للملح، و 55% من هؤلاء محصنون تمامًا تجاهه، كما أن ما يدعى بالمفارقة الكورية يدعم هذا الكلام، فأغلب الكوريين يتناولون ما يزيد على 4 غرامات من الصوديوم يوميًا في أطعمتهم التقليدية، ومع ذلك تمتلك كوريا واحدًا من أقل معدلات الإصابة بأمراض القلب وارتفاع الضغط حول العالم.

نسبت كل تلك الأمراض إلى هذه البلورة البيضاء، التي شوهت عبر عقود من الزمن، والتي لا نستطيع الاستمرار من دونها، بينما يعد الخطر الصحي الحقيقي في بلورات بيضاء لمادة مشابهة، يمكننا متابعة حياتنا بشكل طبيعي حتى لو لم نستهلك غرامًا واحدًا منها، وهي السكر، الذي يرتبط اسمه بضغط الدم المرتفع، أمراض القلب والشرايين، بالإضافة إلى أمراض الكلية المزمنة.

إن استهلاك القليل جدًا من الملح يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التغيرات في الجسم، قد ينجم عنها رغبة شديدة في تناول السكر، وفقدان السيطرة على الشهية، وهذا ما يعرف باسم المجاعة الداخلية، والتي تعد سببًا أساسيًا لزيادة الوزن، وصعوبة حرق الدهون بسبب مقاومة الأنسولين، كما أن هناك سببًا آخر يجعل قلة الملح تؤدي إلى السمنة، وهي أنه مصدر رئيسي لليود، والذي تحتاجه الغدة الدرقية لتعمل، ومن دونه سيعاني الإنسان من استقلاب بطيء، وبالتالي زيادة في الوزن أيضًا.

في النهاية، ينصح الدكتور جيمس بالاستماع لما يطلبه جسمك، فإنه يمتلك ما يدعى بترموستات الملح، وهو مجموعة حساسات مترابطة موجودة في الدماغ تراقب مستوى التزود بالصوديوم في محاولة لتثبيط هرمونات الجوع، ففي المرة القادمة التي تشعر فيها برغبة لتناول الملح، أضفه، واجعل لطعامك طعمًا، فإن جسمك يطلبه لسبب منطقي.

(العربي الجديد)

اقــرأ أيضاً

كيف تحافظ على طاقتك في رمضان طيلة اليوم؟

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا