مختطفون سوريون على الشاشة

بثت الفضائية السورية برنامجا “وثائقيا” عن عائلاتٍ اختطفتها لسنوات (وليس لأشهر!) الجماعات الإرهابية المسلحة، ثم تم تحريرها من تلك الجماعات التي أجمع معظم أهالي المختطفين أنهم غرباء من الشيشان والأفغان، إضافة إلى “سوريين خونة”. وتم بث الحلقة في الهواء الطلق، أي في البرد القارس، ومعظم الذين شاركوا في الحلقة التلفزيونية من النساء والأطفال. وكانت المُحاورة في قمة اللطف والتعاطف مع المخطوفين المحرّرين. ومن العجائب أن يتفق المخطوفون أنهم يهدون اختطافهم إلى الوطن. وكنا تعودنا على أن نسمع أن الشهداء يهدون إستشهادهم، عن طريق شهادات أهاليهم، إلى الوطن، وهذا يفهمه العقل. أما أن يُهدي المخطوف خطفه إلى الوطن، فأمر يجعل العقل يغادر الجمجمة، كما لو أن المخطوف يملك قرار اختطافه، كما لو أنه بطل لمجرد أنه خُطف.

تحدثت الأمهات المختطفات عن سنوات الخطف، وكيف كان الخاطفون ينقلون من قريةٍ إلى أخرى، وكيف سجنوهم لأشهر في قرية سلمى الصغيرة ساحرة الجمال، والتي تحولت إلى ركام بعد ست سنوات من الحرب القذرة. وسألت المُحاورة طفلا اختطفته جماعة إرهابية، وكان عمره ست سنوات، وهو اليوم في العاشرة، عن تجربته في الخطف، فقال إنه شاهد الخاطفين يذبحون أمه، وأنه عاش سنوات الإختطاف بأمل أن يحرّره الجيش السوري، فسألته المُحاورة إن كان تعلم شيئا طوال هذه السنوات، فأجاب بأن الخاطفين علموه أن يحفظ القرآن الكريم. وحكت صبية في السادسة عشرة أنها كانت مسؤوله عن إخوتها الأصغر منها، بعد أن رأت بأم عينها كيف ذبح الخاطفون أمها. 
كان كل المختطفين يتكلمون كما لو أنهم في سرنمة، أو كأنهم منوّمون مغناطيسيا، وكالعادة، كما يجمع أهالي الشهداء من كل مدن سورية وأصقاعها على شهاداتهم ويزغردون فرحا لاستشهاد أولادهم، أجمع الأهالي البسطاء من القرى الملتهبة بالصراع، أنهم أهدوا اختطافهم للوطن، وكرّروا، إلى ما لا نهاية، عبارة الحمد لله، كما لو أنهم يختبئون ويهربون من فراغ موحش، ويثير ذعرهم فيما لو وعوه كاملا. وكان كل الأهالي المحرّرين من الخطف بعد سنوات يحكون بلهجتهم المحلية، أي يلفظون القاف قافا. وبالتأكيد كل الحروف وكل اللهجات مُحترمة، وثمة قرى مسيحية عديدة تلفظ القاف قافا (وليس كافا)، لكن الغريب أن المذيعة فجأة قرّرت أن تتكلم مشدّدة على حرف القاف، ولم يفهم المشاهد لماذا بدأت الأسئلة والمقابلة مع المختطفين السوريين المُحرّرين بقافٍ عاديةٍ، وفجأة قرّرت أن القاف تؤثر أكثر في الجمهور. 
هل يمكن لإنسان أن يتخيل رعب أن يعيش أطفال ومراهقون وصبايا بين أربع سنوات وخمس سنوات مع خاطفين مجرمين، وأجمع الجميع (المُختطفون) أن أشكال الخاطفين مُرعبة، من دون أن يوصف شكل واحد منهم. ويا ليت مُعد البرنامج تنبه إلى ضرورة تلقين المُختطفين المُحرّرين وصف الخاطفين، كما لقنهم العبارات نفسها في أنهم يهدون اختطافهم إلى الوطن (!). 
مهزلة الإعلام السوري أنه لا يبالي بأبسط قواعد علم النفس، ويتعامل مع طفل شهد ذبح أمه، ومر بتجربة خطف سنوات، كما يتعامل مع تلميذٍ في المرحلة الابتدائية بأن يطلب إليه أن يكتب موضوع تعبير يصف الربيع. أية مهزلة أن تشوه المفاهيم إلى هذه الدرجة، وأن يُعتبر الاختطاف عملاً بطولياً. وقد تتحفنا الإخبارية السورية قريبا بحلقة تبث في الهواء الطلق، وبدرجة حرارة تحت الصفر، لفتيات تعرّضن للاغتصاب، وحسب المنطق الرسمي والإعلامي السوري، لا يُستبعد أن يهدين اغتصابهن للوطن
كم كان الشعب السوري محقا حين هتف من أعماق روحه: يا الله ما إلنا غيرك يا الله. وأخيرا، رحم الله غابرييل ماركيز، وقد كتب روايته الرائعة “خبر اختطاف”، لو شاهد الحلقة التي بثتها الإخبارية السورية، لما استطاع أن يبدع روايته هذه.

هيفاء بيطار

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا