مرضى الفصام العقلي في غزة… خطر كامن يهدد حياتهم وذويهم

في كل مرة يثور الستيني الغزي أحمد مصطفى، المصاب بمرض الفصام العقلي، على أفراد عائلته تتزايد خطورته عليهم، ما يجعلهم يلجؤون إلى حقنه بدواءي لارجكتيل LARGACTIL ومودوكيت MODECATE، اللذين يعدان من مضادات الذهان، ولهما مفعول في تهدئة المريض، بحسب ما يقوله يوسف عوض الله مدير عيادة رفح النفسية الحكومية، إذ يعاني مريض الفصام من هلاوس، تجعله يرفض العلاج، ما يجبر القائمين على علاجه لاستخدام القوة لحقنه بالدواء، وفق ما قاله فضل عفانة الاختصاصي النفسي بمركز التأهيل النفسي المجتمعي (حكومي) في غزة.

وتعاني أسرة المريض مصطفى منذ ثلاثين عاما من حالته التي تتزايد خطورتها بمرور الزمن، حتى وصل الأمر إلى إشهار سكين في وجه أبنائه، متهماً إياهم بمراقبته بأجهزة تنصت، الأمر الذي استدعى نقله إلى مركز التأهيل النفسي، غير أنه سرعان ما غادره إذ لا يوجد به سوى 30 سريرا فقط، وفق ما أكده الطبيبان عوض الله وعفانة.

واقع الصحة النفسية في غزة

يصل عدد المرضى النفسيين في قطاع غزة إلى 100 ألف مريض، من بينهم نحو 25 ألف مصاب بمرض الفصام العقلي بدرجاته المختلفة بحسب ما يؤكده الدكتور عايش سمور، مؤسس قطاع الصحة النفسية في غزة، والمدير السابق لمركز التأهيل النفسي المجتمعي، والذي أجرى دراسة مستفيضة حول واقع الصحة النفسية في القطاع قبل عامين.

ويعاني ثلث اللاجئين الفلسطينيين في غزة البالغ عددهم 1.2 مليون نسمة ممن يحصلون على خدمات الرعاية الصحية في مراكز الأونروا من أعراض اضطرابات نفسية واجتماعية وفق ما أكدته الدكتورة غادة الجدبة رئيس برنامج الصحة في الأونروا.

ويرجع عوض الله وسمور زيادة انتشار المرض النفسي في غزة إلى الأزمات التي مرت بالقطاع من فقر وحصار وحروب، والتي رفعت معدلات الإصابة بالأمراض النفسية بنوعيها “عصابي وذهاني” مقارنة بالمعدلات العالمية.

وتخدم ست عيادات نفسية حكومية، تقدم رعاية نهارية، إضافة إلى مركز “غزة للصحة النفسية” الخاص، ومركز التأهيل النفسي المجتمعي حسب ما أحصاه أسامة عماد رئيس قسم البحث العلمي في دائرة الصحة النفسية بوزارة الصحة بغزة، كما توجد 12 عيادة خاصة، وبرامج إرشاد ودعم نفسي تقدم خدمات رعاية نفسية أولية في المراكز الصحية الـ21 التابعة لوكالة الغوث “الأنروا”، بحسب ما وثقه معد التحقيق، عبر زيارات ميدانية.

اقــرأ أيضاً

صيادو غزة في شباك “الشاباك” الإسرائيلي

ما هو الفصام العقلي؟

يمكن وصف مرض الفصام العقلي بأنه عبارة عن اضطراب في التفكير والوجدان والسلوك وأحيانا الإدراك، ويؤدي في حال عدم علاجه في بادئ الأمر إلي تدهور في المستوى السلوكي والاجتماعي، كما يفقد الفرد شخصيته، وبالتالي يصبح في معزل عن العالم الحقيقي، وهو من الأمراض الخطرة التي قد تدفع المريض بها إذا ترك لارتكاب جرائم أو الانتحار، وفق ما شرحه لـ”العربي الجديد” يوسف عوض الله، موضحا أن المرض يتدرج ما بين الخفيف والمتوسط ، والشديد والعارض، والمزمن والمتقطع.

وكشفت نتائج دراسة محلية أجراها عايش سمور قبل عامين لمعرفة واقع المرض النفسي في غزة، أن نسبة مرض الفصام العقلي في القطاع وصلت إلى 1.6% بينما نسبة المرض العالمية لا تزيد على 1%، كما أن نسبة الإصابة بحالات الاكتئاب الشديدة العالمية تتراوح ما بين 5% إلى 7%، بينما في غزة تصل إلى 10%.

ويقسم سمور مرضى الفصام العقلي في غزة إلى ثلاثة أقسام، الأول يلقى اهتماما من الأهل، وتتم متابعة حالته ويعطى العلاجات في موعدها، وهؤلاء لا يشكلون خطرا، والقسم الثاني مهملون حتى تتدهور حالتهم، ويستشعر أهلهم الخطر، حينها يبدؤون بالسعي إلى علاجهم، وهؤلاء خطرهم متذبذب، بينما الثلث الأخير مهملون كلياً، ولا يتلقون رعاية من ذويهم، وهم مكمن الخطر الحقيقي، إذ يمكن أن ينفذوا جرائم القتل أو الانتحار.

وينبغي حجز مرضى الفصام العقلي في المصحات النفسية، وخضوعهم للعلاج والمتابعة لمدة ستة أشهر على الأقل، وفي حال شعر الأطباء بتحسن حالتهم يتم إخلاء سبيلهم، شريطة المراجعة مرة كل شهر أو شهرين، لكن يبدو الأمر مستحيلا في غزة كا يقول سمور، إذ يغيب مشفى متخصص لتأهيل المرض علاجيا ونفسيا واجتماعيا، وهو ما يقصر المتابعة على العيادات النهارية والمنازل، ويتم نقل المرضى ممن تتدهور حالتهم إلى المشفى.

وتسجل بيانات وزارة الصحة في غزة وجود 60 ألف مريض نفسي في القطاع يعالجون في عيادات الحكومية، بينما يعالج 40 ألف في عيادات خاصة، في حين يبلغ عدد الأطباء النفسيين 14 طبيبا نفسيا يعملون في الوزارة، وفق ما أكده المدير السابق لمركز التأهيل النفسي المجتمعي.

اقــرأ أيضاً

الدجاج المحرّم.. مزارع الاحتلال تنشر المرض بين الغزيين

مراحل متابعة مريض الفصام العقلي

يعمل طاقم العلاج والمتابعة في مركز التأهيل النفسي المجتمعي مع مرضى الفصام الخطرين في العيادات الحكومية أو عبر الزيارات المنزلية، وبمجرد استشعار الطبيب أو الأخصائي النفسي ظهور أعراض ذهانية نشطة لدى المريض، وتشكيله خطرا على حياته والمحيطين به، يتم نقله للمستشفى، ويبدأ التعامل معه على مرحلتين، الأولى وضعه في غرفة منفردة مزودة بكاميرات مراقبة على مدار الساعة، مع إعطائه ما يلزم من علاجات، والتي قد تستمر أسبوعا، ثم تبدأ المرحلة الثانية للاختلاط مع باقي المرضى، كما يؤكد رئيس قسم البحث العلمي في دائرة الصحة النفسية بوزارة الصحة، قائلا: “الطاقم لا يترك المريض حتى يدرك مرضه وهي مرحلة مهمة لتقبله العلاج، وتوقف الأعراض الخطرة، حينها يمكن إخراجه، مع الطلب من عائلته المتابعة، مراجعة العيادة النفسية القريبة من مقر إقامته”.

حوادث ارتكبها مرضى الفصام

خلال العامين الماضيين وقعت ثلاث جرائم كبيرة راح ضحيتها ثمانية أشخاص، ارتكبها ثلاثة مرضى نفسيين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وفق قسم التحقيقات في شرطة غزة، ودائرة الصحة النفسية في القطاع، ويوضح الطبيب عوض الله أن بعض مرضى الفصام العقلي يشكلون خطورة كبيرة على أسرهم، إذ يعيش المريض حالة نفسية صعبة ويفقد الشهية للأكل والشرب والنوم، ويسقط هذه الحالة على من يحب، والذين يظن أنهم يعيشون ذات معاناته، ما يدفعه إلى أن يقرر تخليصهم من هذه المعاناة بوضع حد لحياتهم وحياته معهم.

إمكانات محدودة

يعاني قسم الصحة النفسية التابع لوزارة الصحة في غزة، من نقص أدوية مضادات الذهان الحديثة غير المتوفرة في وزارة الصحة وجهاز الصدمات الكهربائية، بحسب الاختصاصيين في مركز التأهيل النفسي المجتمعي أسامة عماد وفضل عفانة، اللذين أكدا أن الوضع السيّئ للصحة النفسية في القطاع، ونقص الأسرّة، يشكلان خطرا كبيرا على حياة المرضى وذويهم، وهو ما يرد عليه رئيس قسم البحث العلمي في قسم الصحة النفسية بأنه يجري توسعة المستشفى لتصبح طاقتها 50 سريراً بدلا من 30 سريراً في محاولة لتقليل مخاطر مرض الفصام العقلي.

اقــرأ أيضاً

بالفيديو كسّارات الموت.. الغبار الأبيض يخنق الغزيين ويدمّر بيئتهم

وصمة المرض النفسي

يؤكد الاختصاصي النفسي والاجتماعي نبيل جودة، مؤلف كتاب “الاتجاهات الوالدية لدى مرضى الفصام العقلي في قطاع غزة”، أن مرضى الفصام، يواجهون “وصمة المرض النفسي”، الذي يعتبر عاراً على العائلة، إضافة إلى نقص الإمكانات الخاصة لعلاجهم، قائلا “هؤلاء المرضى ليسوا في حاجة إلى مصحات فحسب، بل إلى مركز تأهيل نفسي كامل، يحتوي إمكانات لوجستية وبشرية تعيد تأهيل المريض من كل الجوانب، والأهم تقبل أهلهم لهم”.

ويتفق الاختصاصي النفسي والاجتماعي في عيادة رفح النفسية الحكومية، صبحي فرحات مع الباحث جودة، في أن نقص الأسرّة في المصحة وتهرّب بعض الأهل من إرسال أبنائهم إليها خوفاً من “الوصمة”، سببان يشكلان خطراً كبيراً على المريض وذويه، إذ بات الأهالي يتخذون إجراءات استباقية في محاولة لدرء خطر مرضى الفصام العقلي، عبر إخفاء السكاكين والآلات الحادة عنهم وتفتيش غرفهم باستمرار خوفا على حياتهم.

غزة — محمد الجمل

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا