مسامرات يوسف إدوارد وهيب

يوسف إدوارد وهيب، الطوّاف في قلب المدينة منذ ربع قرن، وصديق المقاهي، ومتسكع الأرصفة وراء صيد. دائما ما يكون صيده مسكينا، وصاحب همّ وجرح غائر وانكسار ما، لكنه الهم الذي يحمل حكاية، حكاية من ريف، أو مدينة كالإسماعيلية، أو حكاية ناس طيبة من السودان أو قطر، أتت بهم ندّاهة العرب وسميرتهم إلى أحشاء قلب القاهرة وليلها، ويوسف صاحب نول ونسيج ومسامرة وزبائن للحكي، ثم يعاود الطواف بحثا عن شجنٍ آخر في مدينةٍ جاءها في منتصف خرابها، في أواخر الثمانينيات. 
يكتب يوسف رسائله، أو يحتفظ بها، أو تضيع منه، أو يجمعها في كتابٍ، أو يحكيها مسامرة، الا أنه مشغول بالإنسان، في فقره، وصباه، وكهولته، حتى صار على مشارف الستين، ولا يكفّ عن ذلك الطواف، وعن مطاردة صيده المسكين. يوسف إدوارد وهيب، هو صديقي ونقيضي في الحياة والرؤية، على الرغم من أننا أبناء إقليم واحد، وهي مدينة إخناتون، أول من نادى بالتوحيد في فجر التاريخ، مدينة الزرع والفقر أيضا، مدينة الثأر والتسامح، مدينة الملحن عبد العظيم عبد الحق وعمّار الشريعي وعلي ومصطفى عبد الرازق ولويس عوض وهدى شعراوي والنحات عبد البديع، مدينة الإقطاعيات الزراعية الفاحشة في الثراء والفقر المدقع أيضا. تلك هي المنيا، عروس الصعيد بالفعل، ونول الحكايات وسامرها، ومنسج قطن الألم ونوادره، من ليبيا (سلكاوي) إلى الخليج وراء لقمة العيش. يحكي يوسف ذلك كله في تغريبته، أو في مسامراته على الورق. 
يوسف صديقي بامتياز، في أشياء عديدة لا مجال لحصرها، ونقيضي بامتياز في رؤيته السياسية للواقع الآني، وما حلّ علينا من مصائب ونكبات تقترب من أن تكون “كربلاء أخرى” بعد كربلاء تاريخية، نحكيها ألمًا من 1400 سنة إلا قليلا. يوسف يرى فيها نفسه الغانم وصاحب طالع النجوم في هذا الشأن. يوسف يعتبر عبد الفتاح السيسي مخلصاً جاء من السماء. وذلك بالطبع مفهوم ومقدّر، سواء أنادى بذلك هو، أو فريدة الشوباشي، إلى آخر تلك المكايدات السياسية التي وصلت إلى ذروتها في “نعم تجلب النعم”. يوسف أيضا في غلواء مناداته السياسية نادى بـ”حكومة حرب”. تخيلت يوسف محاربا، فضحكت. وقلت يكفي فقط للكاتب أن يكتب من غير أن يستمع لنداهة الحرب، أو الخراب، أو ظلم الآخر في محنته. بالطبع، يعرف يوسف أن المسيح لم يهبط إلى ساحات أورشليم وميادينها بالرصاص الحي والمصفحات والأباتشي، بل نزل بالتسامح والمحبة. يوسف صديقي ونقيضي، لأنني أعتبر السيسي شخصا عاديا جدا، فقد كان دفاع الفريق المنافس نائما قبل “خط التمنتاشر”، وحارس المرمى مربوطا بالحبال في أعلى خشبة مرماه، والكرة أمامه حالمة وهادئة تحبو إليه، والجماهير تقول له: “هات الهدف”، فدفع بالكرة حتى مرت من بين “الثلاث خشبات”، والحارس معلق في الحبال، فصرخت الجماهير ورقصت على الهدف اليتيم، وبعدما انتهى الماتش، جلس يحكي في الإرهاب، وكأن الإرهاب هو “لبانة الخائبين”، فرجب طيب أردوغان في ساعات أطفأ نار انقلاب، ثم عاد الوطن إلى مسيرته، والسيسي يوزع على العالم “لبان” الإرهاب من سنوات أربع، فمتى يأتي ذلك المصنع الذي يتولى “لبان السيسي”، كما تولت السيدة جيهان السادات “شيكولاته السيسي” لصديقاتها في واشنطن. 
يوسف إدوارد وهيب، بعد محاولاتٍ معقولة في كتابة الشعر، دخل عالم السرد بكتابه، أو مسامراته “تغريبة القبطي الأخير”، وفي ذهنه ووجدانه ورؤيته أيضا (عبقرية هدف السيسي اليتيم) أيديولوجيا وحضاريا. وهذا، في حد ذاته، يعد بابا واسعا للشفقة، على يوسف نفسه، باعتباره صديقي أولا، وعلى الكتابة أيضا باعتبارها أجمل كثيرا مما نحبّ ونشتهي، لأن حبل التاريخ طويل، ونكد الزمان لا يهمه ذلك الهدف اليتيم الذي جاء والحارس مربوطا إلى “التلات خشبات” بالحبال، لأن كرامة الوطن أعزّ من ذلك كله بكثير، لأنه الأبقى، كالصداقة دائما، على الرغم من كل ما يشوبها من خلافاتٍ صغيرة تذوب مع الأيام في المقهى.

عبد الحكيم حيدر

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا