مشاعل التغيير

في العمل والعلاقات والهوايات، يبحث الناس عمّا يسهل الوصول إليه أو التعامل معه، لا أحد في المطلق يحب الأمور الخطرة أو صعبة المنال. 

البعض يختار مهناً بسيطة ليرتاح من عناء العمل، حتى وإن كانت لا تدرّ عليه المال الكافي أو لا تحقق طموحه، والبعض يكدّون قليلاً، قبل تحميل الأعباء للمساعدين والاكتفاء بجني الأرباح. 
والأغلبية يختارون شريكاً يقوم عنهم بالكثير من الأمور التي لا يرغبون في القيام بها بأنفسهم. كثيرات يخترن الثري الذي يوفّر لهن الرفاهية، وأكثرهم يختار الجميلة التي توفر له الدلال، بغض النظر عن كثير من التفاصيل الأكثر أهمية في شريك الحياة. 

قلما تجد من يهوى القفز بالمظلات، أو التجوّل في الصحاري أو الغابات، لكن أغلب البشر يعشقون مشاهدة كرة القدم، والأغلب يمارسون تلك الهواية من مقاعدهم المنزلية المريحة، بينما قليلون يمارسون اللعبة، وعندما يلعب بعض الناس فإنهم يختارون الشطرنج أو البلياردو، أو غيرها من الألعاب التي تتطلب مجهوداً عضلياً محدوداً. 

حتى في متابعة الأخبار، يكتفي البعض بمصدر أخبار واحد، صحيفة أو موقع إلكتروني أو قناة تلفزيون، هو لا يرغب في بذل جهد للبحث وتحرّي الحقيقة، حتى أن البعض لا يهتم بالأخبار على الإطلاق. 

الممارسات الديمقراطية مثل الانتخابات أو العمل الأهلي أو السعي إلى التغيير بالنسبة للبعض مغامرة خطيرة، وهي عند كثيرين شأن هامشي. الناس حول العالم يقبلون على التصويت في الانتخابات بحثاً عن مزيد من الرعاية الصحية وتقليل الضرائب وتحسين التعليم، وإن لم توفر لهم الصناديق تلك الضروريات فإنهم لا يذهبون، إلا إن دفع لهم المرشحون أو أرهبتهم الدولة بالغرامات كما هو الحال في دول العالم الثالث. 

لا يلقى العمل بالسياسة إقبالاً حول العالم، والانشغال بتفاصيلها أمر يكرهه أغلب البشر. في العالم الثالث يمكننا اعتبار العمل بالسياسة إقداماً على الانتحار، إلا بالنسبة لمن يعملون مع النظام الحاكم، أو على الأقل يدورون في فلكه. 

الانشغال بالسياسة لا يخطر ببال أغلب أفراد الشعوب الفقيرة، فهؤلاء منشغلون بتوفير لقمة العيش لعائلاتهم. من ينشغل بالسياسة في الدول التي يحكمها الطغاة والمستبدون مصيره على الأغلب الموت، أو السجن إن حالفه الحظ. 

رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن قلة من البشر يخالفون تلك العادات المستقرة، وهؤلاء تنظر إليهم الأغلبية باعتبارهم ثلة من المجانين وتعتبرهم الأنظمة مارقين، وبعض الساعين إلى الحرية يكونون ضحايا من يطالبون بحقوقهم في العيش الكريم. تلك الأقلية المتحررة تحمل وحدها مشاعل التغيير.

اقــرأ أيضاً

الذباب العربي

سلامة عبد الحميد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا