مصائر حائرة للقصيدة

لعلك حين تقرأ عبارة: “يبدو كأن جمهرة كبيرة من الشعراء فهمت الشعر الحديث بأنه ركام من الصور الغريبة المدهشة المخترعة، فاستسهلوا كتابة الشعر وأسرعوا إلى نشره” تظن وللوهلة الأولى، أن هذه العبارة مأخوذة من مجلة نقدية حديثة، تُعنى بأحوال الشعر والشعراء، لكن المدهش أنها وردت في مقال طويل ومتخصّص جاء بعنوان “محنة الشعر الحديث، في العلاقة بين الشاعر والناقد والقرّاء”، ضمن مجلة نقدية صدرت في العام 1991، أي قبل ما يقرب من 26 عاماً.

المقال الذي كتبه الناقد محمد دكروب (1929–2013) لمجلة “قضايا وشهادات” الصادرة عن “مؤسسة عيبال”، استشهاداً بالكثير من الآراء لنقاد وشعراء عرب، منهم فؤاد رفقة وفيصل دراج وجبرا إبراهيم جبرا والمنصف المزغني ومحمد كشيك وشوقي بغدادي وغيرهم، لم يتوقّف عند واقع الشعر الحديث في تلك المرحلة، بل قدّم توصيفاً بليغاً ودقيقاً لما يمرّ به شعر هذه الأيام، الأمر الذي يمنح الشرعية والإلحاح للكثير من تساؤلات كثيرة راهنة، حول مدى قدرة الشعر على الاستجابة لشرط زمانه ومكانه وقضاياه المستجدّة.


 تساؤلات راهنة حول مدى استجابة الشعر لشرط زمانه ومكانه

ينطلق المقال من فرضية أن الحداثة في الشعر العربي لم تعد تياراً، على عكس شعر خمسينيات القرن الماضي، عندما كان تياراً يحمل رؤية فنية ونضالية، إبان مرحلة النهوض القومي التحرّري، لكنه اليوم، أي في زمن كتابته للمقال، أُصبح هذا “الشعر” بالذات “بانغلاقه على القراء، وبالكثرة في صوره المرهوصة المتناسلة، وبالفقر في محمول هذه الصور أو دلالاتها؛ حاجزاً فعلياً سميكاً بين القراء وبين النوع الآخر من الشعر الحديث فعلاً والأصيل فعلاً”، وبالتالي فَقَد قدرته على المجابهة والتحديث متوقفاً عند حدود الصور الباهتة التي لا تفعل شيئاً، ولعل أكثر ما يبعث الحزن على مآلات الشعر العربي أنه تجمد في شكله النهائي منذ عقدين ونصف، بل وأبعد من ذلك، حتى بقيت الانشغالات النقدية هي ذاتها، بدون إضافة أو نقصان.

وإذا كانت هذه هي وجهة النظر السائدة في المقال، فإن لبعض نقّاد تلك المرحلة رأيا مغايرا، وهو ما ذهب إليه جبرا إبراهيم جبرا (1920–1994) حين اعتبر أن بعض ما يكتب هذه الأيام: “فيه من براعة اللغة وألق الصورة وجودة التركيب ما لم يعرفه إلا القليل من الشعر العربي في الماضي”.

وإذا كانت ثمة مؤشرات على أزمة الشعر في زمانيها، اليوم وقبل ربع قرن، فإن أوّل هذه المؤشرات هي تلك الجدالات المرتبطة بالعلاقة الشائكة بين القارئ والمنتج الشعري نفسه، علاقة أنتجت نوعاً من العزوف، لكن ذات التوصيف لم يتوقّف عند تلك الحدود، حدود العلاقة مع القرّاء، وهي سمة لافتة للعلاقة الحائرة بين القارئ والشعر اليوم، يقول دكروب: “نقترب أكثر، في رؤية ما وراء ظاهرات الأزمة هذه التي منها: تقلّص مساحة قراءة الشعر الحديث، وتكاثر الحداثات الزائفة، وفيضان الهذر الشعري المحسوب على الشعر”.

اقــرأ أيضاً

النِفّري وهايدغر.. اللغة في بعدها المفقود

أمير داود

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا