مصر.. حين تتخلى الدولة عن القرّاء

ارتبط إنشاء معظم هيئات ومؤسسات وزارة الثقافة المصرية بالكاتب الراحل ثروت عكاشة (1921–2012) الذي تولّى الوزارة مرتين بين عامي 1958 و1970، فأسّس “المجلس الأعلى للثقافة” و”الهيئة العامة للكتاب” و”أكاديمية الفنون” وغيرها.

شكّلت رؤية صاحب “معجم المصطلحات الثقافية” امتداداً لتوجّهات العهد الناصري الذي سعى إلى تحقيق عدالة اجتماعية وفق منظور اشتراكي قام على التأميم والإصلاح الزراعي الذي قضى بإعادة توزيع ملكية الأراضي لتشمل صغار الفلاحين. وحين تمّ التراجع عن معظم هذه السياسات بعد الانفتاح الاقتصادي، بقي القطاع الثقافي مدعوماً من قبل السلطة.

توجّه الدعم الرسمي إلى مختلف حقول الإبداع، وفي مقدّمتها النشر في جميع البرامج والسلاسل التي تصدرها الوزارة، إذ كان معدل ثمن الإصدار الواحد لا يتجاوز عشرة جنيهات (نصف دولار تقريباً) طوال الستّة عقود الماضية، حتى قرار “الهيئة العامة لقصور الثقافة” أخيراً برفع أسعار الكتب الصادرة عنها بنسبة تتراوح بين 300 و500 في المئة.

وكانت الهيئة قد بدأت تشكو منذ بداية العام الماضي من عدم قدرتها على توفير الثمن نفسه لإصداراتها في ظلّ انخفاض سعر صرف الجنيه المصري والذي تدهورت قيمته إلى الثلث، وارتفاع أسعار الورق عالمياً ما انعكس مباشرة على تكلفة طباعة ونشر الكتاب.


 تدهور الجنيه المصري وارتفاع أسعار الورق ضاعفا من تكلفة النشر

كان هناك اقتراح بتدشين مظلة نشر إلكترونية مصرية يجتمع فيها كل الناشرين المصريين، وتوفير نسخة رقمية لا يزيد ثمنها عن 20 أو 30% من سعر الكتاب الورقي، لكن ذلك لم ينفّذ حتى اليوم، ولا يزال الاعتماد على نوافذ البيع المباشر.

تبرز المفارقة بتخلّي السلطة عن القرّاء من الطبقات الفقيرة مع أنها ظلّت تردّد طيلة السنوات الخمس الماضية أن الثقافة هي الوسيلة الأولى لمواجهة خطاب التطرّف والقوى الظلامية، بحسب تصنيفاتها، واتخذت سلسلة إجراءات تمثّلت بإطلاق معارض كتب في مراكز المدن والأرياف والنجوع في محاولة منها لإيصال الفكر “التنويري” لهذه الفئات التي ينضمّ كثير من أبنائها إلى تيارات يعتبرها النظام المصري إرهابية.

رغم تقديم عدد من النوّاب طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الثقافة أشاروا فيه إلى “حدوث حالة من البلبلة بين صفوف جمهور القراء والمثقفين لما في القرار من مشكلات ومعوقات وخيمة”، إلا أن الحكومة لم تحرّك ساكناً.

يذكر أن ميزانية النشر لهذا العام ارتفعت إلى خمسة ملايين جنيه مصري مقارنة بثلاثة ملايين ومئتي ألف جنيه للعام الماضي، لكن الوزارة لم توضّح بالأرقام والبيانات الزيادة المترتبة على تكلفة إصداراتها وما دفعها إلى رفع ثمن الإصدار الواحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة أضعافه.

يأتي قرار الرفع في وقت تزداد الانتقادات إلى كثير من العناوين التي تصدرها الوزارة شأنها شأن نظيراتها العربية، لما تحتويه من مضامين تقترب إلى الدعاية للسلطة أو تجديد غير مقنع للخطاب الديني؛ إصدارات ربما لن تجد قراء لها حتى لو وزّعت بالمجان.

اقــرأ أيضاً

“سينما فاتن حمامة”: عرض متواصل للخسارة

القاهرة — سناء أمين

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا