مصر: مستوى انعدام الثقة الشعبية بالقضاء يبلغ ذروته

يستعد البرلمان المصري لمناقشة مشروع قانون جديد لتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا. وعلى الرغم من خلو المشروع من أي مواد مهمة قد تؤثر على أداء المحكمة أو تشكيلها، إلّا أن تقديمه في هذا التوقيت يفتح الباب لاحتمالات تعديله مستقبلاً ليتضمن مواد أكثر خطورة، أو مساومة المحكمة الدستورية على ذلك، في الوقت الذي يريد فيه النظام الحاكم التأكد من اتجاهاتها في الأحكام المنتظر أن تصدرها في بعض القضايا البارزة. وأهم هذه الأحكام تتعلق بقضية جزيرتي تيران وصنافير، وكذلك موقفها من قانون اختيار رؤساء الهيئات القضائية الذي قد يصلها أيضاً بطريق الطعن إذا لم يراع الرئيس عبدالفتاح السيسي الأقدمية المطلقة لدى اختياره رؤساء الهيئات.


معظم المواطنين باتوا ينظرون للقضاء كذراع للسلطة التنفيذية

ويبدو القضاء المصري في أضعف حالاته حالياً بعدما تغلب عليه السيسي مرحلياً بإقرار القانون، ونجاحه في إجهاض التحركات المعارضة للقضاة، لا سيما الجمعيتين العموميتين اللتين كانتا مقررتين هذا الأسبوع لمحكمة النقض ونادي القضاة، وذلك بمساعدة رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل. إلا أن القضاة في ما بينهم، قلقون من ظاهرة أخرى يراها بعضهم أكثر تأثيراً في الأزمة الأخيرة من أثر الصراع بين نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى أو أثر تواطؤ وزير العدل، حسام عبدالرحيم، مع السلطة التنفيذية. وتتمثل هذه الظاهرة في التجاهل الشعبي والنخبوي الواضح لأزمة القضاة مع السلطتين التنفيذية والتشريعية. فلم تصدر أي جمعية أو منظمة حقوقية ولا أي حزب سياسي أي موقف أو بيان يعبّر عن الإدانة أو حتى الشجب والتضامن مع القضاة إعلاءً للأعراف القضائية المستقرة التي يتجاوزها القانون الأخير. بل إن حالة التجاهل هذه تحولت في بعض الأوقات إلى التشفي والشماتة في القضاة، ليس فقط لوقوفهم مع السلطة التنفيذية وشرعنة تصرفات النظام الحاكم على مدار 3 سنوات ونصف، بل أيضاً لتغير تعامل المحاكم بمختلف أنواعها مع قضايا الرأي العام.

ويقول مصدر قضائي بمحكمة استئناف القاهرة إن تجاهل المواطنين لأزمة القضاء الأخيرة على عكس اهتمامهم بأزمة إشراف القضاة على الانتخابات عامي 2005 و2006، يأتي لسببين. الأول، هو انشغال المصريين بسوء الأحوال الاقتصادية وصعوبة تأمين لقمة العيش لا سيما عشية شهر رمضان الذي قد يشهد زيادة في أسعار السلع. أما السبب الثاني فهو أن معظم المواطنين باتوا ينظرون للقضاء كذراع للسلطة التنفيذية ولم يعد يتمتع بالاستقلال المطلوب. وبالتالي ينظر البعض للأزمة باعتبارها “خلافاً داخل أروقة النظام”.

اقــرأ أيضاً

أزمة القضاء المصري تدخل مرحلة “التدجين”

ويضيف المصدر في هذا السياق، أنه “خلال السنوات الثلاث الأخيرة نشعر بتغير واضح في نظرة المواطنين للقضاة، حتى في الدوائر الخاصة بالقضايا المدنية أو الجنائية العادية، فهناك فجوة واضحة تسببت بها ممارسات دوائر قضايا الإرهاب بإصدارها أحكاماً هزلية بالإعدامات أو السجن المؤبد لأشخاص أبرياء أو لم يكونوا موجودين في أماكن الوقائع، كما ساهم في ذلك صمت القضاء والنيابة العامة تحديداً على تجاوزات الشرطة وعودة ظاهرة الاعتقال وتعدد حالات الاختفاء القسري، لا سيما أن هذه الظواهر تتشعب في كل محافظات الجمهورية، ومن السهل وجود حالة كهذه أو أكثر في المحيط العائلي لكل مواطن”، وفق تأكيده.

ويؤكد المصدر الذي يشغل عضوية إحدى الدوائر الجنائية بالقاهرة، أن المجتمع القضائي أصبح منقسماً على نفسه إزاء تصرفات السلطة ومساعدة وزارة العدل لها، خاصةً بعد تعدد قرارات فصل قضاة “تيار الاستقلال” والتنكيل بهم والإساءة إليهم، لإرضاء النظام ومهادنته، ورضوخ أعضاء مجلس القضاء الأعلى، الذين من المفترض أن يكونوا مدافعين عن القضاء بوجه ضغوط النظام في هذا الصدد.

ويرى مصدر آخر بالنيابة العامة أن القوى السياسية والفئات المهنية لم تتعاطف مع القضاة في أزمتهم الأخيرة بسبب وقوف القضاء مع السلطة في جميع الأزمات التي عانت منها تلك الأطراف، على مدار السنوات الثلاث الماضية. ويوضح أن موقف القضاء بشقيه، النيابة العامة ثم المحاكم، كان سيئاً وفي مصلحة السلطة في أزمة العام الماضي مع نقابة الصحافيين، على سبيل المثال، كما كان موقف النيابة والمحاكم سلبياً من حريات المواطنين في قضايا التظاهر لتأكيد مصرية جزيرتي تيران وصنافير، والأمر ذاته بالنسبة لمساهمة القضاء في التضييق على الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية، بحسب المصدر.

وعن تقييمه لدور النيابة العامة في السنوات الأخيرة ومدى نجاحها في أداء واجبها الدستوري كمدافعة عن حقوق عموم المواطنين، يقول المصدر إن النيابة كانت أداة طيعة للسلطة التنفيذية في عهد النائب العام السابق هشام بركات، الذي بلغت مساعداته للسلطة ذروتها بإحالة جميع قضايا العنف للنيابة العسكرية بأثر رجعي بالمخالفة للدستور، ما نتج عنه محاكمة آلاف المواطنين عسكرياً دون وجه حق ابتداءً من أكتوبر/ تشرين الأول 2014. ويضيف أن النيابة مستمرة في هذه الممارسات، بل إن أخطر ما يشعر به المواطن العادي هو تغطية النيابة على مخالفات دستورية جسيمة يرتكبها مأمورو الضبط القضائي، سواء كانوا من الشرطة أو الجيش أو أي جهاز آخر، بعدم موافقة النيابة على تحريك دعاوى بشأن حالات الاختفاء القسري أو تقييد الحرية الشخصية لأكثر من الفترة المحددة دستورياً قبل إخطار النيابة العامة بالقبض على المتهم، على حد تعبير المصدر نفسه.


لم يقف مجلس الدولة ضد توسع السلطة في اعتقال وتقييد حرية المواطنين

ويشدد المصدر على أن من عوامل انحسار الدعم الشعبي للقضاة اختفاء الشخصيات التي تجمع بين العمل القضائي والمهارة السياسية والقدرة على التواصل مع الأحزاب والتيارات المختلفة، بعدما نجحت السلطة في إخفاء شخصيات “تيار الاستقلال” القضائي عن المشهد قسراً، سواء بالسجن أو العزل أو الحصار الإعلامي. وتابع المصدر أن كل الشخصيات القضائية التي برزت في ظل نظام حسني مبارك، كالقضاة: أحمد مكي، ومحمود مكي، وهشام البسطويسي، وهشام جنينة، وهشام رؤوف، وناجي دربالة، وحسام الغرياني، اختفت عن الواجهة، ووصل الأمر لحد تهديد أحد أعضاء “تيار الاستقلال” من غير المعروفين إعلامياً، وهو القاضي أنس عمارة، بالاستبعاد من رئاسة محكمة النقض عقاباً له على الانتماء لهذا التيار، وفق ما يؤكد المصدر نفسه.

وعلى الرغم من صدور العديد من أحكام مجلس الدولة ضد الحكومة في السنوات الثلاث الأخيرة وبالأخص في قضية “تيران وصنافير” التي أكسبت المجلس وقضاته شعبية ملحوظة قياساً بالقضاء الجنائي والنيابة العامة وكذلك في قضايا التحفظ على أموال “الإخوان المسلمين”، إلا أن مجلس الدولة لم يكن بعيداً عن مساندة السلطة منذ بداية عهد السيسي، بل ساعد أيضاً النظام الحالي في وضع التشريعات التي تضمن تحكمه في المجال العام، وإصدار أحكام تكرس سلطة الأمر الواقع.

وأضفى مجلس الدولة صفة المشروعية على قوانين خطيرة، كالتعديلات الأخيرة على قانون الإجراءات الجنائية التي تمنح المحاكم سلطة استبعاد سماع الشهود، وتلزم محكمة النقض بالفصل في الطعون الجنائية دون إعادة لمحكمة الجنايات وحرمان المتهمين من حقوق معتادة لهم، بالإضافة لتمرير المجلس قانون إشراك الجيش في حماية المنشآت الحكومية الذي تحولت فيه كل المنشآت لمناطق عسكرية، وقانون مكافحة الإرهاب الذي يسمح لرئيس الجمهورية بممارسة صلاحيات الطوارئ في غير أوقات إعلانها.

كما لم يقف مجلس الدولة ضد توسع السلطة في اعتقال وتقييد حرية المواطنين، على عكس مواقفه في الملف ذاته في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وضمن استمرار تمتع القضاة بمزايا مالية استثنائية بالنسبة لباقي العاملين بالدولة في ذروة الأزمة الاقتصادية للبلاد. ولعبت بعض دوائر النظام على هذا الوتر بتفجير الرقابة الإدارية قضية رشوة الأمين العام السابق للمجلس (المنتحر لاحقاً)، وائل شلبي، بداية العام الحالي، فأساءت للمجلس وقضاته.

ويرى مراقبون أنه إذا ظل القضاء المصري على نهجه الموالي للسلطة أو المكرس لمكاسبه الخاصة الضيقة، فسيتكرر سيناريو التجاهل الشعبي والنخبوي إذا أقدم النظام على تمرير قوانين أخرى تنال من استقلاله، سواء بخفض سن تقاعد القضاة، أو التلاعب في اختصاصات الهيئات القضائية لتقليصها أو تحصين بعض أعمال السلطة التنفيذية.

اقــرأ أيضاً

السيسي يبسط سلطته على القضاء باختيار رؤساء الهيئات

القاهرة- العربي الجديد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.