مفاجآت خليفة حفتر

لم يكن خليفة حفتر، قبل العام 2011، مسؤولاً مهماً أو قائداً عسكرياً فذّاً. بل على العكس، أبرز ما في تاريخه العسكري تعرّضه للأسر في تشاد، ضمن قوات معمر القذافي التي حاربت هناك سنوات، غير أن القذافي تبرأ منه، وأنكر ارتباطه بالقوات الليبية. وبعد خروجه من الأسر، انشقّ عن القذافي، واستقر في الولايات المتحدة الأميركية لاجئاً ما يزيد عن عقدين. انضم خلالها إلى المعارضة السياسية في الخارج، ودارت حوله شبهات ارتباط بأجهزة استخبارات غربية، خصوصاً الأميركية (سي آي إيه).
عاد حفتر في مارس/ آذار 2011 إلى ليبيا، ليشارك مع ثوار 17 فبراير في الحرب ضد القذافي، وتولى رئاسة أركان قوات الثوار أسابيع فقط، تعرّضت خلالها تلك القوات لانتقادات في التشكيل والأداء. ولاحقاً، رفض حفتر قرار المؤتمر الوطني العام إحالته إلى التقاعد. وتكرّرت محاولاته إطاحة مؤسسات السلطة الرسمية، ففي 14 فبراير/ شباط 2014، حاول الاستيلاء على السلطة بالقوة، فزعم سيطرة قواتٍ تابعةٍ له على مواقع عسكرية وحيوية. وخرج، في بيان تلفزيوني، يعلن تجميد عمل “المؤتمر الوطني” والحكومة، ويبشر بـ”خريطة طريق” لمستقبل ليبيا السياسي. فشلت المحاولة، إلا أن تقلبات حفتر وتحالفاته المتغيرة لم تنته، فقد وجد له مكاناً ودوراً لدى برلمان طبرق. ويبدو أن البرلمان أيضاً الذي كان يفتقد ذراعاً عسكرية، تدعم سلطته السياسية، وجد ضالته في حفتر. وكذلك بالنسبة لأطراف عربية ودولية، كانت تبحث عن حليف لها يملك قوةً على الأرض يمكن توظيفها سياسياً. وأسفر هذا التوافق عن دعم سياسي وعسكري خارجي لحفتر، وشرعية داخلية جزئية، منحها له برلمان طبرق، بتنصيبه قائداً لما عرف بقوات “عملية الكرامة”. ثم سرعان ما منح حفتر لقواته اسم “الجيش الوطني الليبي”، بينما منحه البرلمان ترقياتٍ عسكرية متتالية وصلت إلى رتبة المشير، بعد أن كانت آخر رتبة فعلية له “عقيد” عند أسره في تشاد. وعلى الرغم من ذلك، لا يتلقى حفتر أوامره من البرلمان، ولا من أي سلطة سياسية في ليبيا، فهو يقدّم نموذجاً كلاسيكياً لقائد مليشيا مسلحة، لا تكتفي بالاستعانة بدعم خارجي مباشر وصريح، بل يرفض الانضواء تحت لواء السلطة السياسية المدنية التابعة لبلده.
ما وراء ذلك التذبذب في حياة حفتر، وقفزه في اتجاهاتٍ متباينة، أنه دائماً يلعب دوراً وظيفياً لحساب أي طرفٍ تتوافق مصالحه مع طموحات الرجل، فإذا تعارض الدور مع التطلعات، يتخلى عنه على الفور، ويغير تحالفاته. وبعد أن كانت بوصلة حفتر الخارجية شبه مثبتة في اتجاه القاهرة، وعلى الرغم من أن الأخيرة لم تتخل عنه، ولا تزال تدعمه بسبل وأشكال متنوعة، إلا أن سلوك حفتر، في الأسابيع الأخيرة، وردود فعل القاهرة عليها، يشيران إلى تغير جديد محتمل في تحالفاته الخارجية. لذا، لم تكن مصادفة أن يخرج توماس وولدهاوزر قائد القوات الأميركية في إفريقيا “أفريكوم” ليؤكد وجود صلاتٍ وثيقة بين حفتر وروسيا، تشمل دعماً عسكرياً مباشراً من الأخيرة لقواته. ومن تجليات التحول الجديد في مواقف حفتر مراوغته بشأن التعاون مع السلطات السياسية، فقد تسبب، أكثر من مرة، في تعطيل تفاهمات مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج ورئيس البرلمان عقيلة صالح. ولولا استعادة قواته السيطرة على الهلال النفطي، لربما فقد حفتر ما بقي له من دعم داخلي، بعد أن انكشف إحجام قواته عن محاربة “داعش”، واهتمامه فقط بالاستيلاء على بنغازي، ثم الزحف نحو الغرب، والسيطرة على المدن الكبرى، لتحسين وضعه العسكري، وبالتالي موقعه السياسي.
لم يكن حفتر يوماً محل اتفاق، حتى في معقله في المنطقة الشرقية، بل بين أعضاء برلمان طبرق نفسه. وهو حالياً يستند، في إصراره على عدم الخضوع لسيطرة سلطة مدنية، والاضطلاع بدور سياسي محوري، إلى وجود قواته على الأرض، والمساندة الخارجية المباشرة والعلنية. لا فرق، إذن، بين “جيش” حفتر وأي مليشيا مسلحة تتلقى دعماً وتمويلاً من الخارج، ولا تخضع للسلطة السياسية/ المدنية في الداخل.

سامح راشد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا