“مفرّكة بطاطا وبيض”

خرّ صاحبنا ساجدًا لقاء هذا الفرج المباغت لمحنته أمام أبنائه الذين كانوا يطالبونه، منذ أيام، بشراء لوازم طبخة “المفرّكة”، المؤلفة من البطاطا والبيض، بعد أن استحلبت شهوة أكلها كل أنزيمات المضغ والبلع في أجسادهم النحيلة، فيما كان هو يستحلب جيوبه الفارغة، علّه يعثر على قرش مختبئ هنا أو هناك، من دون جدوى. 
أما “الفرج” الذي هبط بغتة، فهو سماعه عن حملة مقاطعة شعبية، أطلقها نشطاء لمقاطعة “البيض والبطاطا”، نظرًا للارتفاع غير المبرّر في أسعارهما، من سماسرة وتجار خضروات جشعين، فأحس لأول مرة بأن الدنيا أصبحت أوسع من “مقلاة”، على الرغم من أنه أحد المقاطعين اضطراريًّا، لكنه وجد في هذه الدعوة ما يسبغ على حرمانه إطارًا شرعيًّا، لا سيما أمام أبنائه الذين ثقبوا أذنيه بهذه الأمنية المستحيلة على جيوبه الفارغة. 
لهذا؛ كان أول ما فعله صاحبنا أنه عاد إلى بيته متبخترًا، واثقَ الخطوة، متعمّدًا أن يمرّ على سوق الخضار، ليلمح تلك النظرة البائسة في أعين بائعي البطاطا، وهم يتحسّرون على بضاعتهم الكاسدة، كما تعمّد أن يمرّ على متجرٍ تصطف رفوف البيض المتراكم على جنباته، وأن يسأل صاحب المتجر عن ثمن البيض، فتنفرج أسارير البائع ويسيل لعابه، على هذا الزبون “الغشيم”، لكن الزبون يضرب جبهته بيده، ويغمغم: “آه تذكّرت.. فأنا أقاطع البيض”. 
أما في البيت، فثمّة انتصار آخر على الأبناء اللحوحين، فقد دخل صاحبنا، هذه المرة، من دون أن يخامره أي شعور بالذنب، وسأل أبناءه بابتسامة ماكرة: “هل سمعتم عن حملة مقاطعة البطاطا والبيض؟.. أبوكم مشاركٌ بها، ومن الآن فصاعدًا، لا أريد أن أسمع أي كلام عن (المفرّكة)، وإلا فركت جلودكم”، وتعزّز إحساسه بالانتصار، حين وجد أبناءه يدخلون في نوبة صمتٍ عميقةٍ لم يخرجوا منها بتاتاً. 
في أعماقه، كان يتمنى صاحبنا، لو تمتدّ حملة المقاطعة؛ فلا تقتصر على البطاطا والبيض، بل تشمل بقية السلع التي يعجز عن شرائها، خصوصًا الحمّص والفول والملابس ولوازم المدارس والأحذية.. كان يتمنى لو تصبح مقاطعة للحياة ذاتها، تلك التي لم تمنحه من رغدها غير الفتات. 
للسبب السابق، كاد صاحبنا يطير فرحًا حين سمع عن حملة مقاطعةٍ أخرى للخطوط الخلوية، على الرغم من أنه لا يملك هاتفًا خلويًّا، لكن المقاطعة ستقطع الطريق على أي طلبٍ من زوجته التي باتت تردّد، أخيراً، كلامًا عن هواتف جاراتها، مع كثير من الانبهار الذي لم يخفَ على صاحبنا، فأعلن أيضًا أمام زوجته، هذه المرة، عن مشاركته بحملة مقاطعة سائر أشكال الهواتف وخطوطها، تضامنًا مع الشعب. 
ثم استفحلَ “الفرج” الذي كان يستحق أن يحجّ لو أسعفته جيوبه، امتنانًا، على تحققه، وذلك لمَا سمع أن المقاطعة استطالت لتشمل البنزين، على الرغم من أنه لا يملك سيارة، لكنه زاد عليها بإعلانه عن مقاطعة خطوط النقل العام كلها، ما يعني أن على أسرته أن تعتمد على أرجلها فقط، في كل تنقلاتها، علمًا أنها كانت تفعل ذلك منذ بدء تشكّل الكرة الأرضية. لكن، لا بأس من إضفاء الطابع الشرعيّ على هذا الحرمان أيضًا. 
عمومًا، للمرة الأولى، صار صاحبنا أكثر توازنًا مع حياة الحرمان، وغدا ينتظر بشغف سماع أخبار عن مقاطعاتٍ جديدة. لكن، حين بدأت تتناهى أنباء عن حملة اعتقالات تطاول القائمين على حملات المقاطعة، راح يتوجّس خيفةً من أن تكون تلك نهاية حلم انتظره طويلًا، وهو ما حدث، في الواقع، إذ بدأ يخفت أوار المقاطعة مع توالي حملة الاعتقال، وتبدّد حلمه حين رأى الناس تعاود الإقبال على السلع التي قاطعتها سابقًا. 
غير أنه قرّر أن يخفي تلك الأنباء عن أسرته، مردّدًا أمامهم بصراخ ترتفع وتيرته كلما عاودوا طلباتهم: “أنا مقاطع”، إلى أن صادف، ذات مرة، مرور أحد رجال المخابرات قرب بيته وهو يردّد تلك العبارة “الناسفة”، فسارع الأخير إلى القبض عليه، بتهمة “تهديد الأمن الوطني”.

باسل طلوزي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا