نقد الهوية الوطنية الفلسطينية وحساسية الضحية

أنتج الفلسطينيون هويتهم الوطنية في ظل ثالوث حاصرهم بعد النكبة، جماعة مهدّدة، تعرف نفسها بالسلب، تعيش بين جماعاتٍ ترفضها أو تشيطنها أو الاثنين معاً. كان ذلك كله بعد فقدانهم الجغرافيا الوطنية التي كان يمكن أن تكون بوتقة إنتاج هويتهم الوطنية. استولى على هذه الجغرافيا المشروع الصهيوني، وبنى على أنقاضها دولة إسرائيل. وبذلك، فقد الفلسطينيون وعاءهم الجغرافي لصياغة هويتهم الوطنية المشتركة الطبيعية في سياق طبيعي، وبات عليهم أن يعيدوا بناء هويتهم جماعةً مهدّدة، وهم في الشتات، خارج الوطن وداخله.
تشكلت الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة بفعل الانقطاع التاريخي، الذي ولده فعل النكبة التي حلت بفلسطين أرضاً وشعباً، وبات على الفلسطينيين أن ينتجوا هويتهم الوطنية، بعد فقدانهم وطنهم التاريخي، وليس تشكيلها على أرض وطنهم الذي عادة ما يكون الوعاء الذي تنصهر أو تتفتت فيه هذه الهوية، كما جرى في التجارب الوطنية الحديثة، تجارب التحرّر من الاستعمار، أي أن الهوية الوطنية الفلسطينية تشكلت بلا وعاء جغرافي موحِّد. هذا لا يعني أن الهوية الفلسطينية لم تكن موحِّدة للتجمعات الفلسطينية، على الرغم من افتقادها التواصل الجغرافي، كون هذه التجمعات عاشت في بلدان عربية تفصلها حدود دولية، ولا تعني وحدتها أنها وحدة هوية سليمة بالمعنى التاريخي على الأقل. وأعتقد أن الفلسطينيين، بحكم عوامل خارجة عن إرادتهم، وبحكم وقائع تاريخية متداخلة، اضطروا إلى تشكيل هويتهم بالضد من التاريخ. 
نجحوا؟ نعم نجحوا، ولكن نجاح المنجزات ضد التاريخ جزئي، ولا تعيش وقتاً طويلاً، وهي تنجح بفعل عوامل خارجة عنها، أكثر من نجاحها بفعل عوامل تماسك داخلي. 
في ظل هذه الوقائع، كان على الفلسطينيين أن يقدّموا هويتهم بوصفها القاسم المشترك من دون شوائب. شعب استطاع تشكيل هوية موحِّدة، في ظل أقسى ظروف التفكك والشتات، لقد بات الفلسطينيون كأفراد يتعاملون مع هذا المنجز بوصفه معجزة. ولأن الجماعات المهدّدة تحتاج إلى أسطرة متعالية، من أجل إنجاز وحدة هويتها في مواجهة التفكّك والشتات، فقد كان المتخيل الفردوسي الأساس الذي أنبتت عليه الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة.
تم التعامل مع هذا الإنجاز بوصفه إنجازاً عظيماً في مواجهة المشروع الصهيوني، وفي مواجهة الإلغاء العربي والإقليمي. لكن، لم يرغب أحد في أن يرى أنه ليست هناك هوية موحدة، وأن الهوية، في الوقت نفسه، هوياتٌ تحمل التنوع والتناقضات، حتى عندما تُعلي ما تريد أن تراه، وترفض ما لا تريد أن تراه. في جميع الحالات، عملت هذه النظرة إلى الأسطرة الذاتية على توليد نوعٍ من العنصرية المعكوسة. ولكن هذه المرّة ليس في مواجهة العدو الصهيوني، بل في مواجهة الشقيق العربي، بوصف الفلسطينيين شعباً صُنع من نسيج آخر،

“الهوية الحديثة للفلسطينيين قامت على أساس متخيّل فردوسي، متجاوز للواقع القائم، وحتى متجاوز للواقع الممكن، فقد صدم الفلسطينيون عندما انهار هذا الفردوس في مفاوضات اتفاق أوسلو”

يختلف عن النسيج الذي صُنعت منه الشعوب العربية الأخرى. وهو يختلف عنها جوهرياً، بحكم طبيعته العبقرية التي جعلته يخترع هويته الوطنية من لا شيء، وإعادته “الرقم الصعب” في المنطقة، حسب الصيغة المحببة للرئيس ياسر عرفات. 
هكذا كانت صورة الفلسطينيين عن أنفسهم، شعب أسطورة، وأن العقبات التي أمامه عوامل خارجية معيقة، لو توفرت لهم الظروف المؤاتية، لكانوا غيروا خريطة العالم، وليس خريطة المنطقة فحسب، وهو شعار سبق أن رفعوه. طبعاً لا تزال هذه الصورة قائمةَ في رؤوس فلسطينيين كثيرين، على الرغم من كل الوقائع العنيدة التي مرت في تاريخهم، وتقول غير ذلك. انتظرنا حتى يعود الفلسطينيون إلى حكم أنفسهم جزئياً، لنكتشف، أو لمن رغب في أن يكتشف، أننا شعب مصنوع من نسيج المنطقة الاجتماعي والهوياتي، ولنكتشف أننا، في حالاتٍ كثيرة، أنتجنا هوية أسوأ من التي أنتجها جيراننا العرب، الذين عشنا بين ظهرانيهم عقوداً، واعتبرنا أنفسنا متفوقين عليهم. ولأن تشكل الهوية الحديثة للفلسطينيين قام على أساس متخيّل فردوسي، متجاوز للواقع القائم، وحتى متجاوز للواقع الممكن، فقد صدم الفلسطينيون عندما انهار هذا الفردوس في المفاوضات التي أسفرت عن اتفاق أوسلو. فقد دخلت المفاوضات بنسب أرض وبخريطة جغرافية عجيبة، لا تمت بأي صلة للخريطة التاريخية التي انبنى عليها الفردوس. وهو ما أعاد الفلسطينيين إلى أرض الواقع محطماً وطنهم المتخيل، وفردوسهم المفقود الذي كانوا يأملون استعادته كاملاً في المستقبل. وقالت لهم الوقائع إن المشروع الصهيوني ابتلع أغلب أرضكم الفردوسية، وتحول التعامل معهم من شعبٍ واحد إلى تجمعات بشرٍ فائضة عن الحاجة في هذا المكان أو ذاك. 
ولأن الوطنية الفلسطينية الحديثة كانت نتاج متخيّل جمعي ضد التاريخ، أخذت الوطنية الحديثة في التحلل، عندما دخلت التجربة حيز الجغرافيا المتاح، وأخذ الشعب الفلسطيني يفقد وحدته. وبالتالي، دخلت هويته مرحلة التفكك. وكانت ذروة هذا الاكتشاف الانقسام الدموي على جزء من أرض الوطن الذي كانت فيه الهويات الجزئية أقوى من الجامع التاريخي للفردوس المتخيل، ما أعطى المؤشر إلى أن الهوية الفلسطينية هي خطاب وهمي، مثل كل خطاب هوياتي، بل خطاب ينتمي إلى مجاله العربي، بوصف الهوية في العالم العربي “ليست شيئاً آخر غير الزيف والتدجيل، وقد رفع إلى بلاغة الأيديولوجيا”، على حد تعبير عزيز العظمة. وعندما نشب الصراع الداخلي، أخذت الهويات الجزئية تطفو على السطح. صحيح أنها حاولت أن تخفي نفسها من خلال التبجّح بشعاراتٍ وطنية، ولكنها كانت آخذة في تصغير الآخر، فالعنف، حسب ما يلخص أمارتا صن في كتابه “الهوية والعنف”، هو نتاج “للآثار المروعة لتصغير الناس”،

“تعاطي قوى سياسية وفئات اجتماعية فلسطينية مع المأساة السورية مرآة عاكسة لتشوهات تكوين الهوية الوطنية الفلسطينية”

وهو ما يولد فن بناء الكراهية الذي يأخذ شكل إثارة القوى السحرية لهويةٍ مزعومة السيادة والهيمنة، تحجب كل الانتماءات الأخرى، وعندما تُعطى هذه الهوية شكلاً ملائماً ميالاً إلى القتال، يمكن أيضاً أن تهزم أي تعاطف إنساني، أو مشاعر شفقة فطرية قد تكون موجودة في نفوسنا طبيعيا. والنتيجة يمكن أن تكون عنفاً عارماً مصنوعاً داخل الوطن، أو إرهاباً وعنفاً مراوغاً ومدبراً على مستوى كوكبي. كما يشرح صن أيضاً، بهذه الآلية يتم تحويل البشر إلى آلاتٍ للقتل، لأن التمترس خلف هوية جزئية، واختزال الآخر إلى بعد وحيد، وتحشيد الناس خلفها في مواجهة الآخر الداخلي، هو عنوان انسداد تاريخي أنتج عنفاً داخلياً، رفع خلاله الضحايا شارات النصر على جثث ضحايا مثلهم. هذا ما شاهدناه في غزة، في معركة تحريرها من الإخوة الأعداء، ولكننا لا نريد أن نرى ما يقوله هذا المؤشّر بوضوح، هو أن فلسطينيين يحملون هوية إلغائية ضد فلسطينيين، تختزل الآخر الفلسطيني إلى بعدٍ واحد، ما جعل من الممكن قتله تحت شعارات وطنية، ولكنها في حقيقتها اختزالية، لا يمكن أن تنتج سوى العنف، فكانت واحدةً من عيوب الهوية العميقة التي لا نريد أن نراها، ولا نريد أن نطرحها للنقاش. 
اليوم، نشاهد هذا التشوّه في الهوية الوطنية الفلسطينية، في فقدان فلسطينيين الحساسية تجاه المذبحة السورية الجارية، واحتقار آلام الضحايا، بدل التضامن معهم بوصفهم يشاركوننا المكانة في الانتماء إلى المظلومين. إن تعاطي قوى سياسية وفئات اجتماعية فلسطينية مع المأساة السورية مرآة عاكسة لتشوهات تكوين الهوية الوطنية الفلسطينية التي فشلت في التضامن مع ضحايا ظلم آخر. ولا يغيّر وجود فلسطينيين عبّروا عن وقوفهم إلى جانب الضحايا على طول الخط، من عار احتقار ضحايا (فلسطينيين) آلام ضحايا (سوريين) يشبهونهم.

سمير الزبن

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا