هكذا يعيش أهل دمشق

ستّ سنوات تقريباً من الصراع الدموي الذي وُصِف بأنّه الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، كانت كفيلة بأن تترك أثرها على العاصمة السورية دمشق. الحياة فيها تحكمها أزمات عدّة، في حين لا يمتلك سكانها بغالبيتهم، ترف اختيار العيش فيها أو الرحيل عنها.

محمد طالب جامعي، من سكّان دمشق، يحكي بعضاً من يومياته. يقول: “كانت الساعة تشير إلى الثانية من بعد منتصف الليل. في الشارع هرج ومرج وأصوات تصدر من على أسطح المنازل ومن أمام مداخلها. أنهض من سريري، فأعلم بأنّ المياه المقطوعة عنّا منذ ثلاثة أيام وصلت أخيراً. ولحسن حظنا، عاد التيار الكهربائي بعد ستّ ساعات من الانقطاع. لكنّ ضغط المياه ضعيف والمضخّات لا تسطيع توصيلها إلى الخزان. محاولات والدي باءت كلها بالفشل، لا سيما أنّ الكهرباء انقطعت من جديد. استطعنا ملء أربع عبوات بلاستيكية سعة كلّ واحدة 20 لتراً، وهو ما يعني أنّنا سوف نتمكّن من الشرب في اليوم التالي ومن الطهو. لكنّه من المستحيل أن نستحمّ أو أن نغسل، إلا في حال وفى أبو أحمد بائع المياه بوعده وجلب لنا خمسة براميل في مقابل سبعة آلاف و500 ليرة سورية، هو مبلغ ليس بقليل. هو يساوي ربع دخل أبي”.

منذ فترة، تعاني دمشق ومحيطها من أزمة مياه. حصل ذلك عقب بدء النظام عملياته العسكرية في وادي بردى، خصوصاً بلدة عين الفيجة حيث يقع نبع الفيجة، المصدر الرئيسي لمياه دمشق ومحيطها. هذا النبع يؤمّن أكثر من 60 في المائة من حاجتها، في حين تحصل على الباقي من آبار إرتوازية محفورة في جبل قاسيون المطلّ على العاصمة، بالإضافة إلى عدد من الآبار محفور داخل المدينة. بالتالي، أصبح طبيعياً ذلك المشهد الذي يقف فيه عشرات الأشخاص في طابور على “منشل” مياه، منتظرين دورهم لملء بعض العبوات البلاستيكية لتأمين الحدّ الأدنى من حاجتهم. إلى ذلك، أصبحت تجارة المياه رائجة، مع تزايد الحاجة إليها.
 اقــرأ أيضاً

خمس سنوات بلا حياة في جنوب دمشق

إيهاب من سكان حيّ الزاهرة، جنوبي دمشق، يخبر: “أنام كما عائلتي وكثر غيرنا في الحيّ، عند الساعة السابعة مساءً، موعد انقطاع التيار الكهربائي. أستيقظ عندما يعود. هنا لا موعد محدّد. في أفضل الأحوال، ينقطع أربع ساعات فقط، ويمكن أن يأتي بعد خمس أو ستّ ساعات. في كثير من الأحيان، لا يلتزم بجدول التقنين، فينقطع لنحو 10 ساعات”. يكمل سرده: “اليوم استيقظت فجراً بكامل نشاطي، وعلى الأغلب بكامل نشاطي وسعادتي، إذ حالفني الحظ وشحنت هاتفي الجوّال وجهاز الكومبيوتر المحمول وشاهدت التلفاز قليلاً. زوجتي لا تقلّ عنّي سعادة، فاليوم تذهب إلى عملها وقد صفّفت شعرها، كذلك لن تضطرّ إلى غسل الثياب بيديها”. ويشير إلى أنّ “دراسة ابني الكبير، وهو طالب في كلية الهندسة، أصبحت مرتبطة بالكهرباء، لا سيّما خلال فترات الامتحانات. فينام مع انقطاعها ويفيق في حال جاءت طوال الليل”.

من جهته، يتحدّث أشرف عن حال الطرقات. يقول: “أخرج من منزلي في الصباح الباكر. طريقي إلى العمل يستغرق نحو ساعتَين، ومثلهما عند العودة إلى المنزل بعد الظهر. وهذا يماثل نصف الوقت الذي أقضيه في العمل”. يضيف: “منزلي يبعد عن مقرّ عملي ستّة كيلومترات تقريباً أو أكثر بقليل. لكنّني أعبر يومياً ثمانية حواجز أمنية. في معظم الأوقات، يأخذون بطاقتي الشخصية ويدققون بوجهي كما يفعلون مع غيري. وفي كلّ مرة، أشعر بأنّني سوف أعتقل عند حاجز منها، على الرغم من أنّني لم أرتكب أيّ شيء. ويلازمني شعور الخوف، إذ إنّ كثيرين اعتقلوا على خلفية تشابه أسماء أو لأنّهم من منطقة مناهضة للنظام”.

أمّا جومانة وهي موظفة منذ 20 عاماً، فتشكو من حال السوق “المرعب”. تقول إنّ “الرواتب متدنية بينما القدرة الشرائية ضعيفة جداً. الأسعار تضاعفت نحو عشر مرات”. تضيف: “أتجوّل في السوق وأقلب الأسعار باحثة عن أدنى الأسعار. وأغلب المواد الغذائية التي أشتريها، هي ممّا يباع من مساعدات إنسانية. على الرغم من أنّني وزوجي موظفان، إلا أنّ رواتبنا لا تكفينا لأكثر من 15 يوماً. ونعيش نصف الشهر المتبقّي على الدَين، بعدما استهلكنا كلّ مدخراتنا”. وتتابع: “منذ أربعة أعوام، لم نشترِ ثياباً لي أو لزوجي. أمّا أبنائي، فأشتري لهم الثياب من محال الألبسة المستعملة”.

معتز لم يخرج من الشارع حيث يعيش منذ أكثر من عام، “ومثلي كثر. بقي أمامي في هذا السجن ثلاثة أعوام وأستعيد حريّتي”. ويوضح أنّه مطلوب للخدمة العسكرية الاحتياطية في صفوف القوات النظامية، وبعد ثلاثة أعوام يبلغ الثانية والأربعين من عمره، سنّ الإعفاء من تلك الخدمة”. يضيف: “أعيش توتّراً دائماً، خصوصاً في الليل. عند شعوري بأيّ حركة، أتوقّع وصول دورية لاعتقالي”. ويشير إلى أنّ عمله “تأثّر كثيراً. لكنّني أستعين دائماً بأصدقاء لي يؤمّنون البضاعة للتجار ويجلبون المال ويساعدونني في أمور أخرى. ويبقى أنّني أتمنّى ألا يحدث لي أيّ طارئ يضطرني إلى الخروج”.
 اقــرأ أيضاً

دمشق من أزمة مياه الشرب إلى طوابير “الكازّية”

ريان محمد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا