هل الأمم المتحدة قابلة للإصلاح؟

يكتسب ساسة العالم حكمة غير متوقعة، كلما غادروا دهاليز القرار، أممياً كان أو من عقر البيت الأبيض، وهي عادة محمودة لا يتم بالضرورة اعتمادها من لدن من يعقبهم في الإقامة على.. سطح العالم. 
حدث ذلك مرة أخرى مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، حيث تحدث في مراكش عن عطب الهيئة الدولية الكبرى، وأكد “أهمية إدخال إصلاح على النظام المعتمد داخل هذه الهيئة الأممية، حتى يتلاءم مع التغيرات التي يعرفها العالم حاليا”. 
مربط الفرس، حسب كلمته في إطار “ملتقى إبراهيم لنهاية الأسبوع حول الحكامة”، والذي نظمته مؤسسة محمد إبراهيم “إصلاح هذه الهيئة الدولية الكبيرة يتطلب إعادة النظر في تركيبتها المعقدة”، مذكّرا أن التركيبة الحالية للمنظمة ترتكز على الواقع الجيو- سياسي، القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. 
وقد كشف كوفي عنان للحاضرين من ساسة وقيادات مديرانية وإعلاميين “أنه قدم سنة 2005 برنامجاً لإصلاح هذه المنظمة الدولية، غير أنه تراجع عن قراره بعد مرور ستة أسابيع”. 
لم يكشف مع ذلك عن فحوى الإصلاح، ولا عن سبب تراجعه عنه، ولا عن المراكز التي منعته، وبذلك تبقى الحكمة، أو نصفها في الصمت المطبق حول مضمون جرأته غير التامة. ومع ذلك، قدّم الرجل وصفة ثلاثية، تتوفر على الحد الأدنى من التطلع الدولي لدور آخر لمنتدى الأمم، تتضمن إقراراً بأن الأمم المتحدة “لا تستطيع تدبير المشكلات المطروحة على الصعيد العالمي بمفردها”، والتشديد على أن هذه الهيئة أصبحت في حاجةٍ ماسّة إلى شراكات، وخصوصا مع القطاع الخاص والمجتمع المدني. وإحداث مقاعد دائمة جديدة، لجعل مجلس الأمن أكثر ديمقراطية وأكثر تمثيلية. وهي، في تقديره، بوابات الإصلاح الممكن، والذي لا نعرف تفاصيل تفاعلاته عند طرحه. 
ويجدد عنان ما سبق لكاتب هذه المقالة أن أثاره في “العربي الجديد” (26 /1 /2016)، في هذه المساحة الحرة، تحت عنوان “أي جنرال لرئاسة الأمم المتحدة؟”، وتم التذكير في تلك المقالة بما سبق أن كتبه رئيس وزراء إيطاليا في عامي 2013 و2014، إنريكو ليطا، والذي تساءل: ماذا يلزم منظمة الأمم المتحدة الآن؟ هل تحتاج إلى شخص سكرتير (أمين) أم إلى شخص عام؟ في أسلوبية بلاغيةٍ، تريد أن توزّع الأمين العام للأمم المتحدة إلى هويتين: هوية “أمين” فقط أو هوية شخصٍ يكون له وضع اعتباري فوق ما “للأمين” العام الحالي، غير أن صياغة النقاش حول الجواب، سيعطينا فكرة عما يريده الإيطالي الشهير، فَيَكاد “البروفايل” المرسوم أن يكون لشخصية… جنرال!

“صارت منطقة شعوب الشرق الأوسط وغربه، مع وجود الأمم المتحدة، عالماً خطيراً، لكنها، وبلا شك، ستكون مع انهيار هذه المنظمة أكثر خطراً”

تحدّث عن شخصية الأمين العام الذي كان سيخلف بان كي مون، باعتباره “زعيماً حقيقياً قادراً على أن يطوّر أجندة خاصة بالمنظمة الأممية”، وليس أميناً عاماً “مجرّد منفذ للحد الأدنى المتفق عليه بين القوى العظمى”. 
واتضح من مناقشات ما نشرته الصحافة أن السؤال عن هوية القائد الأممي يمثل حاجة أكثر من الجواب، لأن الخبراء الاستراتيجيين يعتبرون أن اختيار من سيتولى هذه المهمة على رأس المنظمة تتحكم فيه، هذه السنة، حالة قلقٍ إنسانية عامة في العالم “تتميز بعودة متزامنة للجيو -استراتيجية ولمركزية الدولة الوطنية، باعتبار أنهما خضعتا لتهميشٍ كبير في الفترة التي تحكمتْ في العالم أوالياتُ الأزمةِ الاقتصادية والمالية”. 
عادت المقاربة الجيواسراتيجية بقوة، بفعل قضايا الإرهاب والأمن والهجرات، قضايا تستأثر بالاهتمام لدى الدول والشعوب. أما عودة الدولة الوطنية، مُحاوراً مركزياً في السياسة الدولية، فسببه الميوعة التي أصبحت عليها المنظمات المتعدّدة الأطراف (من قبيل الاتحاد الأوروبي) وعجزها عن التعامل مع القضايا المذكورة. 
ومن سوء المصادفات التي يعدها شهر مارس بإحكام أن هذا التحلل الكبير يتزامن مع ذكريين. تتعلق الأولى بثورة بيتروغراد في نهاية مارس/ آذار 1917، ومرور قرن على عودة إيليتش فلاديمير لينين إلى روسيا الثائرة. ثم الثانية، وتتعلق بالذكرى الستين لتأسيس الاتحاد الأوروبي في 1946. وهذه المصادفات تفعل الأشياء برمتها على النحو الذي يجعل التاريخ حائرا أمام نباهتها، حتى أن لينين كان هو، في تقدير عديدين من كتاب سيرته “مؤسس العولمة السياسية”، بعد أن دخل، هو المنفي في زوريخ، على صهوة “قطار القيصر” الألماني، حيث أوجد من الدعم الأجنبي قوة ذاتية لهزم الحكومة التي أفرزتها ثورة فبراير 1917. 
أما تأسيس المجموعة الأوروبية فتشاء السخرية أن تكون قد تأسست بغياب بريطانيا، منذ ستين سنة، على الرغم من أن فكرة وحدة شعوب أوروبا كانت من إطلاق وينستون تشرشل، ابتداء من 1946. وها هي العولمة السياسية على طريقة لينين “والبروليتاريا الأممية” ووحدة أوروبا تعودان في زمن لم يعد في حاجة إليهما، وفي حاجةٍ إلى ما هو أكبر منهما أي الأمم المتحدة، في تقدير كوفي عنان. 
هذه المنظمة التي رأت النور على أنقاض عصبة الأمم، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانهيار الفاشيستيات الكبرى، ورأى النور معها “ذلك الحلم الكانطي بوجود سلام دائم”، تقف عاجزةً، في ما يشبه الملاك الواسع الجناحين الذي لا يستطيع أن يطير، وهو يرى عودة الفاشيستيات الصغرى بمبرّرات استراتيجية وطنية! 
كتب العبد الفقير لرحمة ربه، في يناير/ كانون الثاني 2016 ، هنا في هذه المساحة، ما يلي: “نجد أن كيفن رود الذي سبق له أن تولى رئاسة الحكومة الأسترالية، ويترأس حالياً اللجنة المستقلة حول التعدّد القطبي التابعة للمعهد الدولي للسلام في نيويورك، لم يُراعِ اللغة الدبلوماسية المهذّبة المطلوبة، لا سيما بعد نجاح قمة المناخ في باريس، في الحديث عن المنظمة. وكرّر صيحات الفشل الأممي بالقول عالياً “علينا أن نقرَّ بما هو بديهي: غابت الأمم المتحدة عن تدبير الأزمة الأوكرانية. والأمم المتحدة لم تُعد أيّ استراتيجية تنسيقية لمواجهة الإرهاب، وكانت غائبةً بالمطلق عن المفاوضات النووية مع إيران. والأمم المتحدة لم تستطع أن تُدبِّر النزاع السوري الذي يدوم منذ خمس سنوات، مخلفاً دولةً عرضةً للتفكك، وسكانها إما يتعرّضون للمجزرة أو للنفي، والأمم المتحدة كانت عاجزةً عن التحكّم في أزمة المهاجرين التي أثقلت أوروبا، وتركت الملايين من الأشخاص بلا مأوى، كما فشلت فشلاً بيِّنا في محاولة معالجة أزمة وباء إيبولا في إفريقيا”. 
في هذا الموت البطيء الذي بالكاد يُخْفون عنا إعلانه الرسمي، تقف أخطر منطقةٍ في العالم اليوم، والمعنيّة بها الأمم المتحدة، كما لو أنها غير معنية بتاتاً. ومن سوء حظنا أن هناك من يفكّر بالأشياء العميقة، والتي تؤثر فينا، نحن الذين نقبع في أسفل الترتيب الدولي، بدون أن يكون لنا تأثير فيها أو حتى مجرد رأي. فنحن في قلب عاصفة الإرهاب، ونحن في قلب عاصفة اللجوء، شعوباً وأفراداً، ونحن في قلب عاصفة النووي الإيراني، سلباً أو إيجاباً. .. ونحن نتداعى بمودة: “تعالوا ننتمي للمجزرة”.. 
صارت منطقة شعوب الشرق الأوسط وغربه، مع وجود الأمم المتحدة، عالماً خطيراً، لكنها، وبلا شك، ستكون مع انهيار هذه المنظمة أكثر خطراً. وأغلب المناطق التي ما زال للأمم المتحدة شبه دور فيها، هي مناطق الشرق الأوسط وغربه. وعلى الرغم من وجود شخصيات من هذه المنطقة ذات قامة أممية، فإن المفارق في العملية أننا نصلح دائماً موضوعاً للنزاع، ولا نصلح أصحاب موضوع للنزاع! وقلما نتولى التأثير، باعتبارنا أصحاب القضية الأولى، من اليمن إلى ليبيا مروراً بكل القوس الشرق الأوسطي الرهيب، في النقاش الدائر، كما هو الحال حول الحكامة الأممية اليوم وغداً”. 
نكاد نعلن، بجبريّة لاهوتية، أننا نستحق أن نكون ضحايا قوة الأمم المتحدة، كما قوّتها وتفكّكها، وأننا مجرد قبائل للتوازن بين الروم وأعدائهم، لا أقل ولا أكثر.

“تبين من تطورات الوضع السوري، كما في تطورات الوضع الفلسطيني، وغيرهما، أن الأمم المتحدة ستظل مشغولةً عنا بتوازناتها الداخلية”

والحال أن السببين الرئيسيين في النقاش يتعلقان، منذ الوهلة الأولى، بمنطقة الشرق الأوسط وغربه، وهما هنا عودة المقاربة الجيو-استراتيجية، والحديث عن مركزية الدولة الوطنية. وقد أغفلت الشعوب وساستها المعنيون هذين العاملين، قبل أن تذوب الدولة الوطنية، بفعل التكتلات الكبرى، إقليمياً وقارياً، ثم بعد أن تراجعت التكتلات، (حديث الميوعة أعلاه)، وقبل أن تنهزم الجغرافية السياسية أمام المقاربة الاقتصادية والمالية، وبعد أن استعادت الجيواسراتيجية مكانتها، وتحرّر العقل الدولي من السياج الاقتصادوي المحدود. 
لا زمن لدخول الشرق وشعوبه إلى المعادلات الأممية، كما لو كان جغرافياً بدون سياسة، أو كَمًّا بدون دول. 
لقد جاء أنطونيو غوتيريس إلى مركز الصدارة على رأس الأمم المتحدة، صديق العرب ورفيق كل خيباتهم، لا أخاله سيجد عرباً أمامه، وقد تبين من تطورات الوضع السوري، كما في تطورات الوضع الفلسطيني، وغيرهما، أن الأمم المتحدة ستظل مشغولةً عنا بتوازناتها الداخلية، بعيدا عن شرقٍ ملتهبٍ، يضيع شعوبه أكثر من أن يفتح لها رقعة فوق شطرنج العالم.

عبد الحميد اجماهيري

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا