هل تحتوي روسيا وإيران ترامب بسياسات انبطاحية؟

بإعلانها قبول مناقشة الانتقال السياسي في سورية، والمرونة التي تبديها تجاه مناقشة المناطق الآمنة، يبدو أن روسيا بدأت استراتيجية تفكيك وضرب البدائل التي تسعى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى صياغتها في سياستها الشرق أوسطية، والتي تعكف المؤسسات والمستشارون على تجهيزها. وفي السياق نفسه، نصح، رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، القادة الإيرانيين بضرورة توخي الحذر من إدارة ترامب، والتعامل معها بهدوء ومرونة.
تعتقد روسيا، كما إيران، أنها أمام موجة اندفاعة قوية لترامب باتجاه الشرق الأوسط، والمطلوب نزع مبرّرات هذه الهجمة، وتبريد سخونتها، وإرباك الرؤوس الحامية في إدارة ترامب، إلى حين. ذلك أن لدى هذه الإدارة انشغالات وملفات كثيرة تنتظرها، كما أنها إدارة خلافية، من المرجح أن تغرق بصراعات داخلية كبيرة. المطلوب اليوم هو تخفيض قدرتها على تحويل إيران أو روسيا إلى عدو علني وواضح، ختى لا يتم توحيد الرأي العام الأميركي خلفها.
ليست مشكلة روسيا وإيران مع إدارة ترامب بتصريحات رئيس هذه الإدارة وطبيعته النزقة، بل بالفريق الإداري الذي بدأ صياغة استراتيجية شرق أوسطية، تبدأ من سورية، ويصار إلى تأسيس ركائز وحيثيات لها، من مناطق آمنة وتحالف من دول إقليمية لمواجهة إيران، وحتى منطقة نفوذ في شمال شرق سورية، ما يجعل الأمر يخرج عن إطار السياسات التكتيكية التي تصلح للاستخدام التفاوضي إلى صلب إستراتيجية منافسة، يتم دمجها في قلب المشاريع الجيوسياسية المتزاحمة في المنطقة، بما يهدّد بإزاحة المنافسين، أو جعل تكلفة مشاريعهم باهظة. 
إذاً، يقوم الهدف الرئيس لاستراتيجية روسيا على مبدأ عدم اكتمال صناعة نسق إستراتيجي

“احتواء ترامب، إذا نجح، سيشكل ختام النصر لروسيا وإيران في سورية والشرق الأوسط”

أميركي جديد تجاه سورية والمنطقة، وضربه من جذوره، عبر نزع محركاته، وتخفيض جذوة محفّزاته، عبر طرح بدائل تجعل من هذا النسق خارج الحسابات العقلانية، فما دامت المفاوضات تسير وفق ما تنص عليه القرارات الدولية، وما دامت المناطق الآمنة قضيةً قابلة للنقاش والدراسة، فما الداعي لقيام إجراءاتٍ أكثر تكلفةً، إن كانت ستأتي بالنتائج نفسها؟
في السلوكين، الروسي والإيراني، وقائع مشابهة للسلوك الحالي، إذ طالما أخفت روسيا أهدافها الحقيقية في انخراطها في الحرب السورية، وتلطت خلف شعارات وهمية، كما أعلنت أكثر من مرّة عن انسحابها من الأرض السورية، على اعتبار أن مهتمها لا تتعدّى تحقيق التوازن بين الأطراف، أو حماية “الشرعية” من السقوط، في حين أن الهدف الحقيقي من وراء ذلك كان استباق أي محاولاتٍ من الأطراف الأخرى في إنتاج إستراتيجية مواجهة لروسيا.
كذلك إيران التي عرفت، عبر تاريخها الحديث، كيف تفكّك الغضب الأميركي ضدها مرّات، ولعل تجربة احتجاز الرهائن الأميركيين عقب إطاحة الشاه تسلط الضوء على طبيعة التفكير الإيراني، ذلك أن طهران، عندما أدركت محدودية قدرة الرئيس جيمي كارتر على القيام بأعمال خطرة، رفضت بشكل مطلق إطلاق سراح الرهائن، لكن الأمر تغيّر كليّة، بعد تصريحات متشدّدة للمرشح الرئاسي، رونالد ريغان، في التعامل مع إيران، ولم تمض أيام قليلة على انتخابه رئيساً للولايات المتحدة حتى سارعت إيران إلى إطلاق سراح الرهائن بدون شروط.
وفي المثالين الروسي والإيراني، حققت استراتيجيات تهدئة العاصفة نتائج مهمة لفائدة موسكو وطهران، تمثّلت بتسجيل سوابق لهما في تحدّي إرادة أميركا والغرب. وفي الوقت نفسه، حرمت أميركا من استعمال القوّة ضدهما وهزيمتهما بالأدوات نفسها التي استخدماها في عملية التحدّي، وفي المثالين أيضاً كانت الإدارات الأميركية سرعان ما تطوي الملفات وتنشغل بقضايا أخرى، وتعاود روسيا وإيران سياساتهما القديمة، لكن مع إضافة واقعة التحدي إلى ملف في سيرتهما الذاتية، وتوظفيه في إخضاع القوى الأضعف.
لكن ما سبق يكشف البعد الانتهازي المدموج بأسلوب براغماتي رخيص، في السلوكين الروسي والإيراني، ذلك أن نطرية “الرجل المجنون” التي طالما استخدمها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لإخافة أوروبا، ونظرية “تصدير الثورة” التي تتغنى بها إيران، ليست سوى تكتيكاتٍ فاشلة، لا تلبث أن تتلاشى في مواجهة التحديات، وإن استمرارهما على قيد التعاطي مرهونٌ بحسابات الخوف لدى الطرف الآخر.
لكن كيف ستترجم إستراتيجية استيعاب ترامب في سورية؟ من المرجح أن تعلن روسيا قبولها

“حققت استراتيجيات تهدئة العاصفة نتائج مهمة لفائدة موسكو وطهران، تمثّلت بتسجيل سوابق لهما في تحدّي إرادة أميركا والغرب”

ببعض مطالب الغرب، وتوعز لعميلها في دمشق التصريح بإعلان القبول بذلك، ثم تعمد إلى إغراق الأمور في بحرٍ من التفسيرات والتفاصيل الكثيفة، حتى تتمكّن من تفكيك الهجمة الترامبية الجديدة، وإبجاد تناقضات بينه وبين حلفائه الغربيين. بموازاة ذلك، تستمر، بدعم قوات الأسد والأذرع الإيرانية، في عمليات قضم الأراضي، وتغيير الوقائع ببطء، ولكن بشكل حثيث، لصالح نظام الأسد.
أما إيران، فليس مستغربا أن تعلن، في الفترة المقبلة، عن سحب “مستشاريها”، باعتبار أن المهمة أنجزت، وتترك للشعب السوري حرية تقرير مصيره، كما قد تخفّض من الظهور المستفز لجنرالها، قاسم سليماني، الذي يبدو أن الإعلام الأميركي يضعه الآن تحت المجهر.
احتواء ترامب، إذا نجح، سيشكل ختام النصر لروسيا وإيران في سورية والشرق الأوسط، إذ تحت هذا العنوان سيتم إقناع الغرب بإعادة إعمار سورية مع بقاء الأسد في السلطة، والأهم من ذلك كله أنه سينقذ موسكو وطهران من مواجهةٍ مع أميركا، لا قبل لهما بها، اقتصادياً وعسكرياً، ومع أن المهمة لا تبدو سهلةً مع وجود فريق إستراتيجي احترافي في البيت الأبيض، يعرف ماذا يريد، وكيف يحقّقه، إلا أن الحذر يبقى قائماً، إلى حين رؤية التطبيقات السياسية لإدارة ترامب على الواقع.

غازي دحمان

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا