“هي فرصة… ولن يموت طفل بالسرطان”

في عيادتها في بيروت، تنهمك رولا فرح صيّاد. تتأكّد من وصفة، وتجيب على اتصال والد قلق على ابنته، قبل أن تتّصل بآخر لتأجيل موعد صغيره، وتنسّق لمقابلة بمناسبة اليوم العالميّ لسرطان الأطفال.

“كان يوماً عاصفاً وماطراً. كان يوماً من شهر فبراير/ شباط من عام 2002. كنتُ قد عدتُ حديثاً من الولايات المتحدة الأميركيّة حيث أنهيتُ تخصّصي، وبدأتُ بمزاولة الطبّ في لبنان. في ذلك اليوم، التقيتُ صبيّاً ما زال وجهه ماثلاً أمامي. كان في حاجة إلى دخول المستشفى إذ هو مصاب بورم في صدره ويعاني من جدري الماء (حماق)، فزوّدته بالأوراق اللازمة. وبعد أربع ساعات، رأيته ووالده في موقف السيارات، يبكيان فيما المطر ينهمر عليهما. حاولت الاستفسار عمّا حصل، فأتى الجواب: رفضوا استقبالنا! والسبب: لا نملك المال اللازم! اصطحبتهما إلى الداخل ورحنا نتّصل بمستشفيات عدّة. أيّ منها لم يوافق على استقباله. بعدها، قصدتُ وزميلٍ منزل الصبيّ في الدامور. لم يكن في إمكاننا القيام بأيّ شيء. في حوزتي، سمّاعة فقط! على الرغم من كلّ الأبحاث والشهادات، إلا أنّني وجدتُ نفسي أركع أمام طفل. لم يكن بإمكاني القيام بأيّ شيء آخر. توفي الصبيّ. فقطعتُ عهداً على نفسي ألا يموت طفل من جرّاء السرطان، بسبب نقص في الإمكانيات الماديّة. هذا أمر مرفوض! الأطفال يشفون من السرطان بنسبة تتراوح ما بين 80 و90 في المائة. بالتأكيد، لا نستطيع إنقاذ الجميع، لكنّ هدفنا هو تأمين فرصة شفاء لهم، على أقلّ تقدير”. 

هكذا، انطلقت جمعيّة “تشانس” أو “فرصة” مع الدكتورة رولا فرح صيّاد، الاختصاصيّة في طبّ الأطفال وأمراض الدم والأورام لدى الأطفال. “هي فرصة لكلّ طفل حتى يُشفى، وفرصة لنا حتى نتمكّن من الاهتمام به”. هذا ما تؤكّده في حديث إلى “العربي الجديد”. 

قبل نحو 15 عاماً، كانت البداية مع روزنامة بالألوان يرسمها الأطفال المصابون حتى اليوم. “من خلالها، رحنا نؤمّن بعضاً من التمويل، وهكذا راح الناس يتعرّفون على تشانس. ثمّ بدأت تردنا تبرّعات، وبدأ كذلك العمل التطوّعي”. في أيّ مستشفى أو مركز يستقبل طفلاً يعاني من ورم أو من مرض في الدم ويحتاج إلى فحوصات أو علاج أو استشفاء، “تشانس” جاهزة لتقدّم العون “على قدر الميزانيّة المتوفّرة لدينا. فهي تتّكل على نفسها وعلى نشاطاتها لتتمكّن من تغطية الفاتورة، حتى لا نتوقّف في منتصف الطريق. علينا أن نكمل رسالتنا”. والجمعيّة التي لا تحمل أيّ صفة سياسيّة أو دينيّة، تستند كذلك إلى داعمين دائمين، وإلى مبادرات يقوم بها بعض شباب تبنّوا هذه القضيّة.

الدكتورة رولا فرح صياد: “هذه رسالتنا” (تشانس) 

اليوم، في 15 فبراير/ شباط، تحتفل “تشانس” باليوم العالميّ لسرطان الأطفال. “هي مناسبة للوقوف إلى جانب هؤلاء الأطفال ودعمهم. بالإضافة إلى تأمين العلاج والاستشفاء، نعمل كذلك على الدعم المعنويّ والنفسيّ، لأنّ الإيجابيّة مهمّة جداً في تجاوب المصاب مع العلاج. والدعم يشمل الأهل كما الأطفال، في حين يهمل كثيرون ذلك”. الفريق العامل في الجمعيّة والذي يضمّ متخصّصين في علم النفس، يعمل على برنامج شامل لمعالجة السرطان، من خلال التوعية والتشخيص المبكر والعلاج النفسي والمساندة الاجتماعيّة والدعم النفسيّ. والأخير يأتي بجهود المتطوّعين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 عاماً و78 عاماً. وهؤلاء يقضون وقتاً مع المرضى الصغار ويحاولون التخفيف عنهم، إمّا في المستشفى أو من خلال نشاطات مختلفة، من قبيل حفلات خلال الأعياد ورحلات ومسرحيات. 

في عام 2005، حصلت “تشانس” على علم وخبر كمنظمة غير حكوميّة. “منذ ذلك الحين، نمضي قدماً في رسالتنا، ونحاول على قدر إمكاناتنا خدمة الأطفال ومساعدتهم ومرافقتهم إلى برّ الأمان.. إلى الشفاء”. 

ورحلة فرح صيّاد مع هؤلاء الأطفال لا تُحصَر بجمعيّة “تشانس”. هي تبدأ مذ يُصار إلى التشخيص، فهي الطبيبة المتخصّصة. ولعلّ الصعوبة الأولى تكمن في إخبار الأهل بالمرض. “في البداية، تكون وطأة الخبر غير بسيطة. الوضع صعب جداً، غير أنّنا نخبرهم بالحقيقة ولا نخفي شيئاً عنهم. الحقيقة ليست مخيفة، طالما أنّ العلاج متوفّر والشفاء ممكن. نحاول قدر المستطاع التخفيف عنهم. هذا مرض خبيث.. هذا الواقع. ونسمّيه، حتى لا يظنّون أنّه داء لا يُسمّى. نقول مثلاً: لديه لوكيميا. ونكمل: لكنّه يُعالَج وعلاجه بهذه الطريقة. ونشرح”. 

سرطانات الأطفال تُعالج بالتأكيد، “لتأتي نسب الشفاء والنجاة أعلى من النسب المسجّلة لدى البالغين. ويعود ذلك إلى أنّ أجسامهم سليمة أكثر من الأكبر سناً، ولأنّ الأنواع التي تصيبهم تتجاوب أكثر مع العلاجات. هم يتحمّلون علاجات طويلة وقاسية. قدرتهم على المقاومة أعلى”. أمّا أبرز أنواع السرطانات التي تصيب الأطفال فهي اللوكيميا أو سرطان الدم، أولاً، تتبعها الليمفوما وأورام الرأس وأورام الغدد فوق الكلويّة والساركوما… وفي حين تبقى أسباب حالات كثيرة مجهولة، “نشير إلى أسباب جينيّة. نجد عائلات لديها استعداد جينيّ لهذه الأمراض. أحياناً لا نستطيع التحديد بدقّة. ثمّة التهابات معيّنة تتسبّب بسرطانات مثل التهاب الكبد الوبائي من نوع بي في بعض البلدان. كذلك، يرتبط بعضها بالغذاء غير السليم والبيئة غير السليمة والتعرّض لعوامل معيّنة. وبحسب نظرية نودسون، لدينا جميعاً خلايا سرطانيّة في أجسادنا. لكنّ الأمر يتطلّب ضربتَين عليها ليُصاب المرء بالمرض”. 

عند سؤالها عن أصغر مريض سرطان تابعته، تبتسم فرح صياد وتجيب: “كان يبلغ من العمر أسبوعَين. كان مصاباً باللوكيميا، وشفي”. وتبتسم أكثر. “نحن نتابع المريض حتى الواحدة والعشرين. هذه رسالتنا”.

اقــرأ أيضاً

للأمل.. يغنّي فراس

بيروت ــ ميليا بو جوده

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا