يا من ألهاكم التكاثر

لم يعد يدهشنا أن نسمع يومياً في بلادنا عن تعرّض الكُتاب والفنانين إلى أصنافٍ من الرقابة التي تتنوع، بحسب الهوية الفكرية والسياسية، لمن يتنطحون لأخذ القانون بأيديهم، فلم تعد الرقابة مقتصرةً على أجهزة الأنظمة الرسمية، بل تجاوزتها إلى الأفراد والأحزاب والحركات، قانونية وغير قانونية، فيستطيع في هذه الغابات الموحشة والمتوحشة في بلادنا أي شخص لا يرى الأمور مستقيمةً، بحسب أفكاره، أن يفرض رقابته الدموية في أحيان كثيرة. 
قبل أيام، مُنعت رواية في رام الله من التداول في الأسواق، بتهمة خدش الحياء العام. وقطعت الرقابة الرسمية في أكثر من بلد عربي دقائق من أفلام عالمية، بتهمة عدم توافقها مع الأخلاق. وأخيراً، ثارت ضجة في تونس ضد مسرحية رقص حديث للمخرج نجيب خلف الله “ألهاكم التكاثر”، لأن العنوان مستعار من آية قرآنية. وشنّ “المجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد” هجوماً عنيفاً ضد المسرحية ومخرجها ومؤسسة المسرح الوطني التابع للدولة التونسية، وطالب بإلغاء الاسم، لأنه يمسّ بالمقدّس، وأفتى بعدم المساس بالقرآن في أي عمل فني، سواء مسرحياً أو غير مسرحي. 
المجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد نقابة تنضوي تحت إطار المنظمة التونسية للشغل، وهي منظمة ذات اتجاه إسلامي، أنشئت عام 2013 في سياق الانفلاش المؤسّساتي الذي ساد بعد انتصار الثورة التونسية، في محاولةٍ ليكون بديلاً للاتحاد التونسي للشغل، النقابة التاريخية، الذي قدّم نضالات اتسمت بديمقراطيتها وتقدميّتها، منذ الاستعمار الفرنسي، مروراً بالعهد البورقيبي وعهد بن علي. وعلى الرغم من الخلخلة التي أصابت الاتحاد التونسي للشغل على المستوى الأيدولوجي والسياسي اليوم، إلا أن ذلك لا يبرّر إيجاد نقاباتٍ تستند إلى الفكر الديني، وتتخذ من الأئمة وخطباء المساجد، ومعهم المتفرّغون للغو الديني في المساجد أو الحارات، بيئة للعضوية والتحشيد ضد حركية المجتمع المدني، وضد الثقافة وتعبيراتها، ما يجعلها أقرب إلى حركة المطاوعين وحرّاس الأخلاق والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف كما يرونه، وهذا يمثل تطوراً خطيراً على تطور المجتمع التونسي، ومحاولته الارتقاء بمجتمع ما بعد الثورة نحو آفاق ديمقراطيةٍ أكثر رحابةً وعدلاً وتحرّراً. 
موافقة كل من المخرج نجيب خلف الله على التخلي عن الاسم العربي للمسرحية، والإبقاء على الاسم الفرنسي، ومدير المسرح الوطني، فاضل الجعايبي، الموظف في الدولة، وتبريره ذلك بموافقة المخرج، وبحجة أنه ليس من السهل التفاوض بشأن مسألة دينية في حمّى الأزمة الحالية، يعبر تعبيراً واضحاً عن الاستعداد لدى بعض النخبة التونسية للخضوع لتهديدات من يحملون راية الدين لإخضاع المجتمع برمّته إلى أفكارهم، والتي لا علاقة لها بالدين أصلاً. 
ما يثير السخرية أنك لو سألت أي عالم فقيه في علوم القرآن الكريم، لن تجد في استخدام هاتين الكلمتين انتهاكاً لقدسية القرآن أو الدين، فكلنا يعلم أن اللغة العربية سابقة على تنزيل القرآن، وإلا لما جاء في عدد من سور القرآن ما يؤكّد أنه نزل بالعربية التي كانت لغة العرب قبل بدء نزول الوحي على الرسول بمئات السنين. وقد جاء في سورة يوسف “إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون”، وجاء في سورة طه “وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً”. وكذلك في سور سبع أخرى تأكيد على أن اللغة العربية سابقة على التنزيل، ولم يدعُ القرآن إلى محاصرة العربية في إطارها القرآني، ولم يحذر من استخدامها خارج إطار ما استخدمت فيه عند التنزيل القرآني، فالمقدس هو المعنى القرآني بمداه الرحب، وليس الإطار اللغوي الحامل له. والخوف والهروب من المواجهة الذي يريد هؤلاء إلقاءه في النفوس قد يجد صداه لدى العاجزين عن مواجهة الجهل بالمعرفة وباللغة.

نصري حجاج

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا