أوركسـترا الإعلام الكـُــرّ : العربية وأخواتها

بقلم مهند بتار — إذا أرادوا أن يختصروا الأمر بكلمة واحدة فقد يحتاج المتفرجون إلى صكّ مصطلح جديد لكي يكونوا أكثر دقة في توصيف (الصوت الواحد) لقنوات العربية والعربية ـ الحدث وسكاي نيوز ـ عربية ومن تذهب مذهبها من قنوات المجاري الطافحة بالهراء ، فإذا قلنا أن هذه القنوات (ناهقة ) نكون قد بالغنا في تقديرها . هي فعلا وقولا (تنهق) إنما بجودة أقل مما تجود به حنجرة الحمار البالغ ، فحين نستمع إلى هذه القنوات نشعر أننا بإزاء حمار صغير (كـُـرّ) يتدرب على النهيق في الطريق إلى إتقانه كأمه وأبيه ، وعلى هذا يتوجب على تقييمنا أن يهبط (بأنكر الأصوات) إلى ما دون قوته الطبيعية حتى نقترب من حقيقة صوت هذه القنوات ، كأن نبتدع له القول تصغيراً وتحقيراً يستحقه عن جدارة : هذا ( نويهق) قناة العربية ، وليس (نهيق) قناة العربية .

على رأس قطيع (العربية) عصى أوركسترالية واحدة تقوده إلى سُـلـّم نويهقي وحيد يتيم فريد يخدش أذن السامع ولا يرحمها من فرط التكرار المُمل الرتيب لمفرداتٍ تجري إستباحتها نزولا عند تعليمات طويل العمر المتراكمة فوق تعليمات المقصوف العمر في تل أبيب ، فمفردة كـ ( الإرهاب) صارت في قاموس القنوات النويهقية لا تنحصر فقط بأي شخص يخالف (لا قدر الله) طويل العمر الرأي ، الرأي فحسب ، وإنما تتسع لتشمل كل من يطـّـلع مجرد الإطـّـلاع على الرأي الآخر ، وعلى هذا المنوال فأنت الآن عزيزي القارئ العربي محض إرهابي متلبس بالجرم المشهود ومطلوب للعدالة النويهقية لأنك ببساطة تقرأ هذه السطور، فما بالك إذا ما تجرأت وشاركتها الآخرين (شـيّرتها)؟! .

ولعل التغطية المتآمرة للإعلام الكـُـرّ بحق ثورات الربيع العربي ووقوفه المتغول على النقيض المطلق من التطلعات المشروعة للشعوب العربية أوضح مثالٍ على عمق الدرك الذي وصل إليه هذا الإعلام نزولا عند مخاوف طويل العمر من شيوع ثقافة الديمقراطية والمسائلة والشفافية وكل ما له علاقة بفعاليات التداول السلمي للسلطة كما هي في أي بلدٍ يحترم الحقوق الطبيعية لمواطنيه ، لابل إن شاشات الإعلام الكـُـر التي تحولت في خضم الثورات المضادة للربيع العربي إلى ناطق رسمي بإسم المرتدين القائمين على محاربة شعوبهم أوسعت من ذمتها الرحبة لتعمم صفة (الأرهاب) حتى على المحايدين ممن لا لاناقة لهم فيها ولا جمل تحت شعار : من ليس معنا فهو إرهابي ! .

إلى جانب ذلك فقد انطوت الذمة الواسعة للقنوات النويهقية على تصنيف عجائبي لمفردة (الشهادة) يجترئ حتى على الله تعالى ، ففي اليمن المُبتلى (يستشهد) الجندي السعودي أو الإماراتي في معركته (المقدسة) لتحرير اليمن الكئيب من أهله وإعادته إلى العصر السعيد ، أما في فلسطين المحتلة فالرصاص الصهيوني الذي (يقتل) الفلسطيني لا يجعله يرتقي إلى مصاف ( الشهداء) ، هو (قتيلٌ) فلسطيني فحسب ، (قتيلٌ) وكفى ، (قتيلٌ) لم تشفع له عدالة قضيته لكي تشمله مغفرة وسماحة طويل العمر ، لكأنه توفي في مشاجرة عابرة لا فاضت روحه على مذبح الحرية والإستقلال ودفاعاً عن قيم العدالة الرّبانية قبل الإنسانية . هكذا يمنح الإعلام الكـُـرّ (صكوك الشهادة) لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء وفقاً لنظرية (الخيار والفقوس) في أحدث طبعاتها العبرية ـ الأمريكانية .

أكثر من ذلك يجتهد قطيع (العربية)عبثاً ليتبرأ حتى من تاريخه لكى يبيح لنفسه استعذابها لمستنقع الخذلان واغترابها عن واقعها إلى درجة القطيعة المفتعلة لا لشيء إلا لطمر ما يستحيل طمره من الماضي ، وبلا فائدة تغص الشاشات النويهقية ببرامج تتنكر لصلة طويل العمر برعاياه الذين زجهم بفتاويه قبل بضعة عقود في (جهاد أفغانستان) قبل أن يتحولوا إلى قنابل طيارة أطاحت ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ، وللإيغال في جلد الذات والتنصل المتهافت الأهوج عن الأصول تتفنن هذه الشاشات برعونةٍ في جمع المتناقضات المتضاربة بوعاء واحد ، فتقوم وهي أس الرجعية بتسويق برامج تحاكي الليبرالية الغربية بطرقٍ ساذجةٍ وتكون النتيجة خلطة كاريكاتورية فجّة باعثة على الإزدراء ، ففي حين يمكن للمذيعة أن تستعرض على الشاشة النويهقية آخر صيحات الأزياء العالمية أو أن تتحاور بكل أريحية مع أحد منظري الديمقراطية الأوربية يمنعها طويل العمر من مجرد قيادة المركبة في بلده الذي يـُـعتبـَـر فيه مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة ثامن الموبقات ، ومع ذلك ورغم كل ذلك لا يجد هذا الإسترخاص الذاتي والتقزم المجاني سوى مزيدٍ من الإستخفاف الأمريكي المشفوع بمزيدٍ من الأوامر والطلبات وتالياً مزيداً من استحلاب البقرة البترودولارية ، والشواهد على الإستحلاب لا تحصى وليس أولها قانون (جاستا) المُبيّت لقادم الإبتزاز ولن تكون آخرها تلك الصفقة الترامبية المليارية القارونية التي تمت كرشوة لتشريف إيفانكا ترامب مؤتمر مكافحة الإرهاب في كامل مجرة درب التبانة !.

الحديث عن الإعلام الكر يطول من فرط ما يخوض في الوحول ، ولكن في النهاية : إذا كنتَ صاحب موقف سياسي يتناقض وسياسة القنوات النويهقية فتفرج عليها ، نعم ، تفرج عليها لا لشيء إلا لكي تتأكد أنك على حق فتثبت عليه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهند بتار


Originally published at وطن.