موقع عبري: العلاقات بين إسرائيل والأردن الأفضل في بحر “الكراهية”

“لم تنظر إسرائيل أبدا للجيران في المملكة الهاشمية على أنهم أعداء ألداء كالسوريين والمصريين أو العراقيين. فرغم الحروب توطدت العلاقة بين الدولتين، وتمخضت في النهاية عن معاهدة سلام. ربما كشفت حادثة الحارس مجددا إلى أي مدى العلاقة هشة، لكنها في نفس الوقت حيوية”.

كانت هذه مقدمة تقرير للصحفي “إيلي أشكنازي” بعنوان “العلاقات الأفضل وسط بحر الكراهية”:المد والجزر في العلاقات الإسرائيلية- الأردنية”، نشره موقع “walla” العبري الأربعاء 26 يوليو.

يأتي ذلك على خلفية قتل حارس إسرائيلي لاثنين من العمال الأردنيين بالسفارة الإسرائيلية بعمان مؤخرا، ونقل الحارس لإسرائيل الذي استقبلته بحفاوة بالغة وكان في استقباله رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وهو ما قوبل بغضب شديد في الشارع الأردني.

إلى مقتطفات من التقرير وفق ترجمة وتحرير مصر العربية..

الرئيس التاسع لإسرائيل الراحل “شمعون بيريز” المعروف بأقواله المأثورة، وصف عام 1976 العلاقات الإسرائيلية مع الأردن بـ”أفضل العلاقات التي يمكن إنجازها في بحر الكراهية”.

لكن عرف التاريخ بين إسرائيل والأردن تقلبات كثيرة للغاية خلال السنوات، وحتى الآن تنجح الدولتان في شق طريق علاقاتهما وسط بحر الشرق الأوسط العاصف وإيجاد حلول للأزمات، كالأزمة في جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) وأزمة حادثة حارس الأمن الإسرائيلي في السفارة بعمان.

حتى في الفترة التي سبقت إقامة إسرائيل رأت الحركة الصهيونية في شرق الأردن جزءا من الأراضي المستقبلية لدولة إسرائيل. لكن في عام 1921 فرض البريطانيون انتدابهم على أرض إسرائيل ومنحوا الضفة الغربية للسلالة الهاشمية الموالية لهم.

“نزع شرق الأردن من أرض إسرائيل هو ظلم تاريخي وفعلي على حد سواء”، زعم زئيف فلاديمير جابوتنسكي ، زعيم الصهيونية التصحيحية. تبريره لذلك كان “أن اليهود استوطنوا هناك حتى قبل احتلال أرض إسرائيل الغربية”. ويقول “عمليا، فإن احتياجات الهجرة العبرية تزيد ربما في شرق الأردن في قيمتها وأهميتها على الجزء الغربي من أرضنا، لأن مساحتها لا تقل عنها، لكن سكانها أقل بثلاثة أضعاف، تربتها أفضل وينابيعها أكثر.. لزام علينا ضم شرق الأردن لبلادنا، في ضوء الفقر اليهودي المدقع بشرق أوروبا”، كتب في 1928.

في شرق الأردن لم يسعد الجميع التعاون مع الصهاينة، واعتبروا ذلك “مدخل للصهاينة، ليكون بإمكانهم الاستيطان في شرق الأردن واحتلالها بعد احتلال أرض إسرائيل (فلسطين التاريخية)”.

المخاوف من السيطرة الصهيونية تزايدت وفي نفس العام نشرت صحيفة “الجامعة” الأردنية خبر “الخطر الصهيوني يهدد شرق الأردن”. جاء في الخبر أن هناك “جهود لا تتوقف من قبل زعماء وسياح صهاينة لاختراق شرق الأردن لفحص ودراسة الأرض. لكن طالما لم يجدوا لهم قوادين محليين ستبوء جهودهم بالفشل”.

مع انتهاء الانتداب البريطاني على شرق الأردن في 1946 حصلت الإمارة الهاشمية على الاستقلال وأصبحت مملكة. حاولت الدولة الجديدة والحركة الصهيونية التوصل لاتفاق فيما بينهما، لكن فشلت المحادثات وانضمت الأردن للحرب ضد إسرائيل بعد إعلان إقامتها عام 1948. احتل الفيلق العربي، جيش الأردن، جوش عتسيون، والمدينة القديمة بالقدس ونهاريم (الباقورة) وأسر جنود إسرائيليين. ذُبح الكثيرون من المقاتلين والمواطنين اليهود في المعركة بكفار عتسيون على يد الفيلق”.

بعد الحرب ضمت الأردن الضفة الغربية لها. ساد التوتر بين الدولتين على خلفية عمليات التسلل من الأراضي الأردنية لإسرائيل، التي انتهت بهجمات عنيفة. اتبعت إسرائيل من جانبها سياسة العمليات الانتقامية. لكن في المقابل، غُرست بذور التعاون والتفاهمات بين الدولتين كاتفاقية المياه التي بلورها أريك جونستون المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور للشرق الأوسط عام 1955. رفضت سوريا ولبنان “خطة جونستون”، لكنها رسخت تقسيم المياه بين إسرائيل والأردن حتى يومنا هذا، وأسفرت أيضا عن تفاهمات بين الدولتين.

في تلك السنوات كان الأردن محط أنظار الكثير من السياح الإسرائيليين، أو بشكل أكثر تحديدا، موقع محدد في غرب الأردن- مدينة البتراء القديمة المنحوتة في الصخور الحمراء. حاول مغامرون شبان خدم معظمهم في وحدة المظليين الوصول للموقع، لأن زيارة البتراء بمثابة تحقيق حلم واختبار للشجاعة. معظم المسافرين لم يعودوا من هناك أحياء، فيما تمكن القليون من العودة بسلام.

منذ الخمسينيات وحتى منتصف التسعينات كان الملك حسين هو من ترأس المملكة وقاد العلاقات مع إسرائيل. رغم الخصومة اللدودة مع إسرائيل، اعتبروه هنا شخصية محبوبة، بينما فُهمت الحساسية الكبيرة التي اضطر للتعامل بها من جهة كدولة ضعيفة بالمنطقة، ومعرفة كيف يحافظ على الولاء للأمة العربية ومن جهة أخرى- محاولة الحفاظ على علاقات الجيرة مع إسرائيل.

حافظ الملك حسين على حوار مع إسرائيل وفي نفس الوقت على ضرورة أن يناور في الشرق الأوسط العاصف. وهي المناورة التي قادت لانضمامه عام 1967 للجبهة العربية التي قاتلت إسرائيل. في حرب الأيام الستة (5 يوينو 67) خسر حسين جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) والضفة الغربية.

بداية من انتهاء حرب الأيام الستة، وتحديدا بعد حرب يوم الغفران (6 أكتوبر 73)، ترددت في إسرائيل أصوات دعت للتوصل لتسوية مع الأردن. في 1969 دعت صحيفة “عال همشمار” الموالية لحزب مبام (العمال المتحد) لـ”تسوية مع المملكة الأردنية تضمن أمن إسرائيل ويمكن أن تحدث فجوة أولية في جدار الكراهية”. وفقا للاقتراح، تسيطر الأردن على الضفة الغربية. المخاوف التي طرحتها “عال همشمار” كانت من “إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المسيطر عليها، وهو ما يعني إقامة قاعدة شرعية للإرهاب العربي ضد إسرائيل. ستكون هذه دولة إرهاب”.

في 1994 تمخضت العلاقات الخفية بين الدولتين بشكل نهائي عن معاهدة سلام وقع عليها إسحاق رابين وحسين ملك الأردن في وادي عربة. بعد ذلك بثلاث سنوات واجه السلام أول اختبار حقيقي، بعد قتل 7 طالبات من بيت شيمش على يد جندي أردني. وقعت الحادثة خلال تنزه الطالبات مع فصلهن في نهاريم، وهي المنطقة التي عادت للسيادة الأدرنية بموجب معاهدة السلام.

لكن، منذ ذلك الحادث مؤسف الذكر، جاءت البادرة التي أوضحت مجددا لماذا نال الملك الإعجاب في إسرائيل. زار الملك بيت شيمش لتعزية الأسر. واعتذر باسم الأردن، والتزم بدفع تعويضات. بدا تألمه حقيقيا وأثارت زيارته مشاعر المواطنين في إسرائيل.

خلال الـ 20 عاما الماضية ساءت العلاقات بين الدولتين. اضطر الملك عبد الله الذي خلف أبيه حسين للمناورة داخل واقع معقد- التطرف الديني الذي لا يتوقف في بلاده وموجة اللاجئين من سوريا، الأمر الذي لم يسهم في الشعور الضروري بالاستقرار.

في المقابل، ظلت الأردن هي المسئولة عن الأماكن الدينية الإسلامية بالقدس. إسرائيل من جانبها منهكمة في الصراعات الداخلية والخارجية التي تواجهها. أزمة “جبل الهيكل والبوابات الإلكترونية الكاشفة للمعادن بجانب حادثة الحارس في السفارة”، أكدت إلى أي مدى العلاقات حساسة وهشة، ومع ذلك جسدت إلى أي مدى الحوار عميق بين الدولتين وإلى أي مدى ضروري لكلتيهما. التحدي الجديد بالتأكيد ينتظرهما، لكن لا يتضح بعد أين ومتى يحدث.


Originally published at وطن.