السياسي الذي نريد

يقال أن الدعارة هي ثاني أقذر مهنة عبر التاريخ، أما الأولى فهي بلا منازع مهنة السياسي.. فالعاهرة تبيع شرفها طلباً للقمة العيش، أما السياسي فيبيع شرف الأمة بأكمله بحثاً عن المطامع الشخصية.

يقال أيضا “كل شيء مباح في الحب والحرب” والسياسة حبٌ وعشق للمنصب، وفي كل أشكالها هي نوع من الحرب سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو حتى حرب المصالح الشخصية والصراع على الجاه النفوذ، فكل شيء مباحٌ في السياسة إذن، بما فيه استخدام العاهرات عند الضرورة لجمع المعلومات أو الإيقاع بالخصوم.

ولكن مهلاً.. من قال ذلك وجعله من المسلمات!؟ من الذي جعل فكر ميكافيلي قرآناً يتلى ووحياً مقدساً؟! أهو الواقع فقط؟ أن أن جحافل السياسيين الانتفاعيين على مر التاريخ هي التي دعمت ترسيخ هذه المباديء الضالة في أذهاننا حتى تنجو من الحساب والعقاب..

من الذي قال بأن السياسية لا مكان فيها للأخلاق؟ إن السياسية بلا أخلاق وبالٌ على البشرية، وهو ما نعيشه اليوم بكل حذافيره. لكن منظور الأبيض والأسود يسبب مشكلة عويصة.. فطبائع الأمور تمنع السياسيين من أن يكونوا ملائكة، والأخلاق والضمير يفترض بهما أن يمنعاه من أن يكون شيطاناً..

يقال أن السياسية هي “فن الممكن” ورغم أن المقولة ينقصها ايضاح الممكن لتحقيق ماذا؟ ولكن فلنقبلها على علاتها ولنحسن الظن بقائلها.. ولنقل أنه الممكن لتحقيق الصواب.. إنها النسبية ودورها المهم في السياسة.. فما هو صواب موافق للأخلاق في ظرف، ليس بالضرورة أن يكون كذلك في ظرف آخر. والعكس صحيح، فليس كل ما نراه خطأً في ظرف معين، هو بالضرورة خطأ في ظرف آخر..

إن واحدة من المعضلات التي تواجهنا في الحكم على السياسي أن الواقع يقر بأنه ليس كل ما يقال في كواليس السياسة يمكن إطلاع العامة عليه، ولكن ذلك لا يبيح للسياسي أن يكون كاذباً، أو أن يعد ولا يفي، أو أن يخبر الناس بعكس الحقائق.. ومع ذلك تبقى التورية الحكيمة مشروعة تبعاً لتقدير الموقف وضمير السياسي نفسه، وهو الحكم الوحيد عليه قبل لقاء قاضي السماء.

أما أن يقال أن الأخلاق والتي تستمد بطبيعتها من الأديان، أن يقال أن هذه الأخلاق لا تتوافق مع السياسة فهذا بهتان عظيم. انه مفهوم خاطيء يدلس به العلمانيون علينا بحجة أن الأديان أرفع شأناً من أن يزج بها في بحور قاذورات السياسة، في حين أن الأصل هو أن الأخلاق لابد أن تكون حاكمة للسياسة تزكيها وتطهرها من شهوات أنفس السياسيين.

وفي المقابل، نرى اليمينيين سائرين على نفس المبدأ وان اختلف الأسلوب، يصدعنا هؤلاء بشعارات برّاقة عن الدين والأخلاق، وعلى أرض الواقع نراهم ميكافيليين لأبعد الحدود، فلا تجد منهم تلك الأخلاق على أرض الواقع حيزاً.. فالكذب والتضليل والتواطؤ مع الظالم كلها عندهم مباحة تحت بند الضرورات التي لا تنتهي. ومواقفهم من أنظمة الاستبداد في عالمنا العربي خلال الـ80 عاماً الماضية، سواء مواقف الإسلاميين العرب على اختلاف طوائفهم، أو مواقف الكنيسة أصدق شاهد على ذلك..

أن تكون سياسياً لا يعني أن تكون بلا أخلاق، أو أن تكون كاذباً ومخادعاً، أو أن تستبيح كل ما لا يباح بحجج الضرورة أو الأمن القومي، أو ضمان مصالح البلاد والعباد..

إن السياسي الحقيق الذي نريد، هو ذلك الذي يستحق أن يُخلِّد التاريخ اسمه.. بالتأكيد هو ليس ذلك العنتري الذي يقض مضاجعنا بخطاباته النارية، أو ذلك البراجماتي الذي يحقق لنا رخاءً اقتصادياً نستبدله بأخلاقنا وضمائرنا، سواء كان ذلك على حساب البعض منا أو على حساب الآخرين بما فيهم العدو. فحتى الحرب فيها شرف الخصومة..

إن السياسي الحقيقي هو الذي يقوده ضميره لأن تكون الأخلاق حاكمة له في أن يطبق فن الممكن ليحقق لشعبه رفعة في الأخلاق، ورخاء في العيش.. فلا هذه تغني عن تلك، ولا يصح أن تستبدل تلك بهذه..

إنه فنان يعرف أن الحياة ألوان، وأن لكل نقطة على رقعة لوحة الوطن لونٌ مناسب يرسمه بفرشاته، ليخرج لنا بلوحة جميلة تحقق الرخاء، لوحة ذات رسالة سامية فاضلة، تبني لنا مجد الأخلاق..

إنه ذلك القائد والزعيم الذي يجتمع الناس حوله احتراماً، لا تقديساً.. وكم من المقدسين في عالمنا العربي، في حين لا نكاد نرى أو نسمع عن المحترمين، أتراهم انقرضو، أم تخاذلوا، أم خذلوا.. أم كلها جميعاً.. إذ من المؤكد أن مثل هذا السياسي لن ينمو أو يزدهر ما لم تكن حوله أرض خصبة من القلوب النقية الطاهرة، فإن أردنا لهذا السياسي أن يظهر، فلابد أن نحرث قلوبنا أولاً..

{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } سورة الرعد — الآية 11