الهدنة نجاح أم فشل للثورة السورية؟

توصل النظام السوري وحلفاؤه من الروس والميليشيات الشيعية، إلى اتفاق مع فصائل الثورة السورية لوقف إطلاق النار في عموم البلاد، وذلك بضمانة روسية تركية، رغم أن روسيا طرف أساسي في هذا الصراع، وقد استطاعت روسيا الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي، على هذا الاتفاق، الذي من المقرر حال نجاحه، أن تبدأ مفاوضات مرتقبة الشهر الحالي، في العاصمة الكازاخية “أستانا” بهدف الوصول إلى تسوية أساسية، وسط غياب متوقع لأغلب فصائل الثورة السورية، بما فيها الهيئة العليا للمفاوضات، التي مثلت المعارضة السورية في الكثير من المحافل السابقة.

وبالفعل دخل اتفاق الهدنة حيز التنفيذ بدءا من منتصف ليل الخميس-الجمعة، وقد شهدت الكثير من الجبهات خروقات عديدم من قبل النظام السوري والميليشيات التابعة له، وفي المقابل هددت فصائل الثورة بعدم الالتزام بالاتفاق ما لم تلتزم به قوات النظام وميليشياته، وهو ما يجعل الاتفاق مهددا بالانهيار في أي لحظة.

الكثير من التساؤلات أثارتها هذه الهدنة، فهل هي نجاح للثورة السورية، أم أنه إعلان لفشلها؟ هل وجود تركيا دون إيران كطرف أساسي في هذا الاتفاق هو دليل على تغير كبير في موازين القوى على الأرض السورية؟ أم أنه مجرد ديكور تلعب فيه تركيا دور المحلل لروسيا ونظام الأسد؟ وهل تقترب الثورة السورية من مصير الثورات العربية التي انطلقت قبيل انطلاق الثورة السورية؟!

الثورات العربية ومآلاتها:

قبل نحو خمسة أعوام إلا أيام قليلة من الآن، كانت تونس تحتفل برحيل المخلوع “ابن علي” وهروبه من البلاد بعدما تحرك الجيش التونسي ضده بعد أيام طويلة من الحياد خلال التظاهرات، وقد شهدت تونس بعد ذلك انتخابات نيابية وكتابة دستور جديد للبلاد، وحصلت حركة النهضة ذات الجذور الإسلامية في أول انتخابات على أغلبية كبيرة، مكنتها من تشكيل الحكومة مع حلفاء آخرين، لكن مع مرور الأيام تراجعت شعبية النهضة، لأسباب كثيرة، لا تخلو منها أخطاء الحركة، وعداء الأحزاب العلمانية لها بشكل واضح، لتخسر أغلبيتها في الانتخابات التالية مباشرة، ليصعد بدلا منها فلول النظام التونسي القديم، ويتولوا الحكومة والرئاسة معا إضافة إلى أغلبية البرلمان.

أما مصر فقد استطاعت ثورتها في خلع حسني مبارك من الحكم بعد ما يقارب ثلاثين عاما، ودخل مبارك ورموز نظامه إلا السجن، ولكن الآن وبعد خمسة أعوام من ثورة 25 يناير، نرى الأمور مقلوبة، فرموز نظام مبارك أبرياء أحرار بأحكام القضاء، بينما العديد من رموز الثورة وشبابها وأعضاء أول برلمان بعد الثورة وكذلك أول رئيس بعد الثورة، في السجون يقضون أحكاما بالمؤبد وينتظرون تنفيذ أحكام بالإعدام بين عشية وضحاها، فيما فر الآلاف خارج البلاد.

وليس الحال في لبيبا واليمن بأفضل حالا، فها هو خليفة حفتر يقود التمرد ضد الحكومة الشرعية في طرابلس، وعلى الرغم من ذلك فهو يحظى بدعم دولي واضح، وتطلق دول العالم على ميليشياته “الجيش الليبي”، ويتنقل بين دول العالم باعتباره بلا أدنى مشكلة، كما يحظى الانقلابيون في اليمن بدعم دولي واضح، رغم جرائمهم التي يعرفها الجميع بحق الشعب اليمني، ورغم انقلابهم الواضح على رئيس البلاد واحتجازه فترة من الزمن وكذلك رئيس وأعضاء الحكومة.

وفي ظل هذه المآلات شبه المتقاربة، والتي تشير إلى فشل كبير لثورات الربيع العربي حتى الآن، فإن الكثير من المراقبين يرون أن مآل الثورة السورية لن يكون أفضل حالا من ثورات الربيع العربي، وذلك رغم الثمن الباهظ الذي دفعه السوريين.

ما وراء الهدنة السورية؟

لقد تم الاتفاق على الهدنة الحالية في سوريا، بين تركيا وروسيا، حيث كانت روسيا تمثل النظام السوري، بينما تركيا على اتصال مع العديد من فصائل الثورة السورية، ولكن كان واضحا غياب إيران عن هذه المفاوضات، فهي لم تكن حاضرة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يتم إطلاعها أيضاً على أية تفاصيل متعلقة بالاتفاق إلا بعد انتهائه، وذلك من خلال الاتصال الذي جرى بين بين وزير الخارجية الروسي ونظيره الإيراني، عقب الإعلان عن التوصل لاتفاق الهدنة.

بل يرى البعض أن نظام بشار الأسد نفسه كان بعيدا عنها بشكل أو بآخر، فالبعض يرى أنه لم يكن يعلم شيئا عن تفاصيلها، فيما يرى البعض الآخر أنه كان على علم بكافة مجريات المفاوضات، وأنه لم يكن يقبل بها ولا راضيا عنها، ولكن ليس لديه القدرة على رفضها حتى لا ترفع روسيا غطاءها عنه، ولعل تصريح وزير خارجية الأسد وليد المعلم الذي قال فيه “نثق بالضامن الروسي لاتفاق وقف الأعمال القتالية، لأنهم شركاؤنا في الحرب على الإرهاب، ولا نثق بالدور التركي”، هو تعبير عن امتعاض نظام الأسد من مشاركة تركيا في هذا الاتفاق وغياب إيران عنه، وما يعنيه هذا من دلالات، أهمها الاعتراف الروسي بتركيا كراع للمعارضة السورية.

ويرى الكاتب الصحفي “خالد الدخيل” أن هذا الاتفاق وضع النظام السوري وقيادته تحت الرعاية الروسية تحديدا، من دون شراكة لإيران في هذا الدور. ومصدر قلق الأسد من هذا التطور، أن الاتفاق يعني أن روسيا ترى، وعلى عكس ما يراه هو ومعه إيران، أن الخيار العسكري وصل إلى حدوده بسقوط حلب، ولم يتبق من خيار آخر غير الحل السياسي مخرجا.. وأن الاتفاق يقلص هامش المناورة أمامه، وهو الهامش الذي اعترف أخيرا بأنه استفاد منه في إفشال الحل السياسي في مفاوضات جنيف السابقة.

الهدنة فرصة الثورة:

المشهد الحالي في سوريا معقد للغاية، والنظام السوري حاليا بات لديه من أوراق القوة ما يكفيه للبقاء في الحكم لفترة طويلة، كما أن الثوار لديهم النفس الطويل للاستمرار في المعارك لفترة طويلة، رغم الضربات القوية التي تتلقاها بين فترة وأخرى، وكان آخرها ما حدث في حلب، وبالتالي، فإن الهدنة واحتمال التوصل لحل سياسي في ظل غياب أي أفق لنجاح الحلول العسكرية واحتمال حسم أحد الطرفين للصراع قريبا، سيكون لصالح المعارضة وخصما من رصيد النظام.

إن أي حل سياسي يقتضي تنازلا من جميع الأطراف، وفي ظل المعطيات الحالية، فإن أي تنازل سيحدث من جانب النظام السوري الذي يحشد قواته لمزيد من المجازر، سيكون فرصة كبيرة للمعارضة لاستغلالها وترتيب صفوفها، وفي هذا يقول “الدخيل”: مع بداية الثورة، كان الأسد يملك كل شيء، وكانت المعارضة لا تملك شيئا تقريبا، الآن تبدلت الصورة. مقابل كسب المعارضة شرعية إقليمية ودولية تضاف لشرعيتها المحلية، فقد الأسد الكثير، أصبح ونظامه في حاجة لرعاية خارجية مثله في ذلك مثل المعارضة، بل لم يعد يملك حرية اختيار من يرعاه.

المصدر: موقع النشرة


Originally published at عرب ميرور.