الأخ المحترم… مغترب!
يمتلأ الفيسبوك و مواقع التواصل الاجتماعي بآمتعاضات من العرب أو أهل الشرق عموما، و هذا طبيعي بحكم الوضع الراهن. أمّا البعض منهم فيتحسّرون، في كلّ فرصة، على وجودهم بهذه الأرض أساسا. هؤلاء ممّن يتغنّون خلسة و جهرًا بكلّ ما يقرّه أسيادهم في الغرب و يغدقون بذمّ كلّ ما هو للشّرق و يتنكّرون لأهله، و هم منهم. يشتكون الغربة في أوطانهم و أيّ الأوطان ترتضي أمثالهم.
لا تشكو يا سيدي الغربة بأرضٍ أقمت بها، إذْ خيّرت قبل حين، أن تكون صخرا ثابتا فيها أو رملا ليس بها بقارّ. فإمّا أن تكون أنتَ على الأرض علامة و برهان، وإنْ نحتك الزمن آنا بعد آن، و إمّا أن تُغسل عنها في كلّ وقت و حين و تحملك الرياح في رحلة بلا عنوان. فآرحل عنها، لست لها إلّا غُبارًا، و احمل شكواك معك، فلن تجد لها مستقرًّا و لا دارًا.
الغربة الحقيقيّة ليست عن الأوطان، إنما هي عن الأذهان و الأفكار. هي أحيانا مدحٌ لفكرٍ راجح، و أحيانا أخرى من مَلامحِ عقلٍ جانِح.
إذن، إرحلْ! فإن اغتربت عقول النّبهاء بما اتّسعت له من جميل العلوم و الأخلاقيّات، ما اغتربت رؤوس السفهاء إلاّ بقبح الفكر و الحماقات. أظنّك طبعا أخطأت تشخيص حالتك، و ما ذلك بالغريب عن نوعك. فإنّي لم أجد يوما متّضعٍ مثلُك متواضع، و لا أحسبنّك إسثناءا لهذا الطابع.
فآرحلْ! أنتَ و أفكارك ما دُمتُ أهجوك نثرًا فما أظنّك تزداد إلاّ آغترابا إذا هجوتك قافيَتًا و وزنًا.