لماذا أجري

عندما يعرف أحدهم أنني أمارس رياضة الجري، دائمًا ما يتبعه هذا السؤال: هل أنت تتمرن لقطع ماراثون؟ أو يسألون عن: ما إذا أنني قد سبق وأن جريت مارثون من قبل؟

يعتقد معظم الناس أن جري مارثون كامل هو نهاية المطاف بالنسبة لرياضة الجري، كنت أنا أعتقد هذا أيضًا.

لنقرأ أولًا عن قصة المارثون هذه. قصة المارثون هي من أشهر القصص في التاريخ، هي رواية أسطورية تقول الآتي:
كان الفرس يقاتلون اليونانيين في “معركة المارثون”، وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد. كان عدد اليونانيين أقل بكثير من عدد الفرس بنسبة واحد الى أربعة، وكانت معركة كبيرة جدًا.
كانت الكفة لصالح اليونانيين في المعركة، لذلك قرر الفرس أن ينسحبوا ويبحروا إلى مدينة أثينا من الجهة الأخرى للمعركة ويباغتوا أهلها. لذا قرر اليونانيون أن يرسلوا شخص يدعى “بيديبيس” إلى مدينة أثينا والتي تبعد عن مكان المعركة ٢٦ ميل (٤٢ كم) تقريبًا، وذلك جريًا على الأقدام ليحذر أهلها من الفُرس.

التفاف الفُرس من مكان المعركة إلى مدينة أثينا، وخط جري بيديبيس

عجيب أليس كذلك؟ ماذا لو علمت أنه جرى ١٤٠ ميل (٢٢٥كم تقريبًا) قبل بداية المعركة وذلك للأستنجاد بجيش مدينة أسبرطة.
وقد قضى ٣٦ ساعة جريًا على الأقدام لقطع هذه المسافة!!.

جرى بيديبيس مسافة ٢٢٥ كم للاستنجاد بجيش مدينة أسبرطة

هذه المسافة كانت فقط في طريق الذهاب، لذا توجب عليه العودة بأقصى سرعة ولنفس المسافة لإبلاغ قومه بأن جيش مدينة أسبرطة لن يستطيع مساعدتهم! تخيل ماذا عانى منه بيديبيس

مَثّل هذا الرجل أفضل الرياضيين على وجه الأرض، لقد دفع بتحمله إلى أقصى مدى يمكن لأي إنسان تحمله.

هناك تفصيل صغير في هذه القصة: لقد توفي بيديبيس بعد وقت قصير من تحذيره لأهل أثينا.

أرى أن هذا عمل بطولي، ولكني أفضل أن لا أموت أيضًا.

بالنسبة لي، لا يجب أن يكون للجري هدف نهائي.

دعونا لا نناقش صحة القصة من عدمها، لكن الشاهد أنها قصة جيدة.

أحترم من يقوم بجري المارثون أو الترا مارثون، وإذا كان هذا ما يحفزك، أعمله ولا تلتفت لأحد.

لكن ليس هذا مايقلقني. لقد رأيت العديد من الناس من يقوم بالجري لأسباب غير صحيحة، وأنا كنت واحد منهم.

كنت أعتقد أن السباق والمارثون هو الحافز الوحيد للجري. ولكني كنت مخطًأ في ذلك. لقد أكتشفت أنه ليس هذا ما يهمني. ولست بشخص تنافسي على أية حال. في الحقيقة كان هذا الأعتقاد يحبطني كثيرًا عندما كنت أتمرن على السباق.

أكره الجري الذي يكون محدد بهدف نهائي.

“أريد أن أجري ١٠ كم”

“أريد أن أجري مارثون”

“أريد أن أجري ٥ كم في ٢٠ دقيقة”

أعرف أنه هذه الطريقة قد تحفز الآخرين، لكني لا أهتم بها أبدًا. لأنه عندما لا أحقق هدف ما، كنت قد وضعته أشعر وكأنني فاشل، وبعد مدة تجدني أترك هذه الرياضة.

لا أعلم لماذا أشعر بهذا، ولكن أعرف أنه هذه الطريقة لا تناسبني. 
وأيضًا أكره الجري مع الآخرين أو في مكان مزدحم، لذا سباق الجري لا يناسبني أبدًا على أية حال.

الجري هو رياضتي التأملية والروحية

كثيرًا من الناس يحبون رياضة التأمل الروحية التقليدية، ولو سألتهم سيخبرونك كم هي رائعة وقد غيرت حياتهم للأفضل بالفعل، وأحسوا أنهم يمسكون بزمام أمورهم الحياتية، لكني لا أحب هذه الطريقة التقليدية، إنها ليست من سجيتي. ولكني أحب الاحساس الناتج عن الرياضة التأميلة الروحية.

أن الجري هو ما يعطيني هذا الاحساس وذلك لأنني أعتبره رياضة تأملية روحية وليس سباق.

أنت لا تتسابق في هذا النوع من الرياضات أليس كذلك؟

أنت تقوم بهذه الرياضة برجاء المصلحة المستفادة منها وليس لتثبت شيئ ما.

واحدة من صديقاتي تمارس رياضة التأمل التقليدي منذ سنوات، وقد أخبرتني أنها وصلت للعديد من الحالات العقلية الجيدة بعد كل هذه السنوات وبطريقة جعلتها شخص أفضل الآن. وذلك لأنها أصرت وعملت وتدربت بجهد وجد لتحقيق ذلك. وبالفعل حصلت على ما أرادت.

تقول: التآمل ليس أن تغمض عينيك وتتأوه أمممممم. فقط.

أعتقد أن هذا مرتبط بالجري، لأنك إذا كنت تجري لسنين طويلة ستكون أكثر تحكمًا بحياتك، بجسمك، بأنفاسك، بأفكارك، بطاقتك، عضلاتك، حياتك،..إلخ

لهذا السبب أن أجري.

ليس لأن الجري شيء رائع
ليس لأنني سأشتري أحذية جميلة
ليس لأنني أستطيع التفاخر بذلك
ليس لأن الآخرن يجرون 
ليس لأنه مفيد للصحة

أنا أجري لأني أحتاج لذلك، لأنه يجلب لي التركيز والإنتاجية والإحساس بالذات، أكثر منه كونه شيء رياضي.

عندما أجري لا أفكر بأي شيء عدا عن التركيز في التنفس عن طريق الأنف والطريقة التي أحط بها قدمي على الأرض، وسرعتي في الجري، وكيف إحساسي الجسمي، وأيضًا أحاول الاستمتاع بالجو الخارجي.

أخرج من العالم. كل يوم

هذه المقالة ليست عن كيفية جعل الجري عادة لك (هذه المقالة عن ذلك) وليست أيضًا لإقناعك أن الجري مفيد أم لا. أو لإعطائك بعض النصائح والأفكار عن الجري، أو عن كيفية أن تكون شخص منتج وفعال. نعم هذه الأشياء مهمة جدًا ولكنها ليس الأهم.

أريد أن أتحداك لتجد طريقتك في التأمل الروحي وما يناسبك من طريقة لتخرج بها من هذا العالم وتصبح حاضر ومتقد الذهن.

أجلس مع نفسك. أبحث عن كلمتك المفضلة. إذهب في رحلة على الدراجة، أمشِ في الخلا، أسبح في البحر. أبحث عن ما يناسبك.

تأكد من أنك وجدت ذلك الشيء الذي يناسبك والذي عن طريقه ستخرج في نزهة بعيدًا عن هذا العالم، و عندما تعود ستكون لك القدرة على أن تواجه كل الجنون الموجود في هذا العالم بكل قوة.


Show your support

Clapping shows how much you appreciated علي بن محمد’s story.