اكتشاف الهدف من حياتك

اكتشاف الهدف من حياتك

لا ريب أن السعي إلى تحديد الهدف من وجودنا في الحياة يبقى أسمى أهدافنا على الاطلاق. فالفرنسيون مثلًا، يرون في ذلك مهمة الإنسان على هذه الأرض، أما اليابانيون فيطلقون عليه كلمة «إكيجاي،» ويعبر الحديث النبوي الشريف «أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه» في الحضارة العربية والإسلامية عن معنى قريب حين يشير إلى أن الإنسان ميسر في الحياة «لما خلق له.» والحقيقة أن أغلب الناس من شتى بقاع العالم، يبحثون باستمرار جيلًا بعد جيل، عن أهداف وجودهم في الحياة، وتلك لعمري ليست مهمة سهلة.

ربما نجد الإجابة إن غصنا في حكمة القدماء أو حتى قرأنا بعض ما يتداوله الناس اليوم من حكم ومواعظ على وسائل الإعلام الاجتماعي. في القرن الميلادي الأول نصحنا الفيلسوف اليوناني الرواقي إبكتيتوس بقوة في كتابه «فن الحياة: الدليل الكلاسيكي للفضيلة والسعادة والفعالية» أن نبحث عن الهدف من وجود أحدنا في الحياة، فطرح السؤال التالي: «كم تستطيع أن تتحمل الهروب مما تريد أن تكون عليه فعلا؟» ويتردد بين الناس قول يتمحور حول المسألة ذاتها، لكنه ملفّق على لسان الكاتب الأمريكي مارك توين من القرن التاسع عشر، ونصّه «أهم يومين في حياتك هما: يوم مولدك ويومٌ تكتشف فيه سبب وجودك على الأرض.» وفي السياق ذاته، يُتداول على وسائل الإعلام الاجتماعي قول لكاتب مجهول نصه «يوم ما أم اليوم الأول. يعود القرار لك.»

ينبغي أن يقدم لك السعي نحو اكتشاف الهدف من وجودك في الحياة، بطبيعته، قدرة على الفعل، ويعزز قوتك وسعيك نحو معرفة حقيقة نفسك وعقلك وجسدك وروحك. وخلال رحلتك نحو تلك المعرفة، فإن نوعية الحياة ومدتها ونهايتها تستحق جميعًا التأمل والتفكير. وتسعفنا في هذا ثلاثة مصادر كافية للحكمة: فمن اليابان، تأتينا أولًا دروس عن اكتشاف الهدف من الحياة وإطالة أمدها من خلال مبادئ إكيجاي. ونأخذ أيضًا من أفكار رائد الأعمال الأمريكي الراحل ستيف جوبس، الذي قاد شركة آبل، حتى أصبحت لأربعة عقود أكبر شركة في العالم مدرجة في قوائم البورصة. ونستهدي بـأفكار بروني وير، الممرضة الأسترالية التي أمضت عدة أعوام من حياتها في العناية المهدئة للمرضى الذين يعيشون في الأسابيع الأخيرة من حيواتهم.

من أهم الطرائق لتحديد الهدف، وخصوصًا الهدف الوظيفي، الاعتماد على مبدأ إكيجاي، الذي شرحه كوبايشي تسوكاسا، الكاتب الياباني في الطب النفسي، في مقالته «إكيجاي» المنشورة في العام 1990، وشرحه كذلك مؤخرًا المؤلفان الاسبانيان هيكتور جارسيا وفرانسيس ميراليس في كتابهما «إكيجاي: السر الياباني لعيش حياة طويلة وسعيدة.» وتمثل هذه الطريقة عملية استقرائية في اليابان للبحث الطويل والعميق عن الذات، لتكتشف الهدف من حياتك، وسبب وجودك. وينظر إلى ذلك في اليابان على أنه «السبب الذي يجعلك تنهض في الصباح من الفراش،» ويرى الأكاديميّون اليابانيون أنها طريقة محفزة تساهم في زيادة العمر في بعض الحالات إلى 100 عام أو أكثر خاصة في مناطق معينة في اليابان مثل أوكيناوا.

يجسد رسم فين البياني المشهور إكيجاي على أنه أداة قيمة لاكتشاف الهدف من حياة المرء على صعيد الناحية المهنية بصورة رئيسة. وتشير الدوائر الأربعة فيه إلى «ما الذي لديك ليدفع لك المال من أجله» و«ماذا تجيد» و«ماذا تعشق» و«ما الذي يحتاجه العالم» وعندما تتداخل تلك الدوائر مع بعضها فإنها تولد المهنة والشغف والموهبة والرسالة، والتي تقود إلى معرفة إكيجاي. ويقل التركيز في الإصدارات الأحدث من إكيجاي على المهنة، ليتجه نحو العقل والجسد والروح، بدوائر تشمل الهدف والقناعة في الحياة والتأثير الإيجابي.

إكيجاي

توفي ستيف جوبز، المؤسس المشارك لشركة آبل، بسبب سرطان البنكرياس في 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، لكنه تمكن قبل وفاته من دفع شركة آبل لتصبح أكبر شركة عامة التداول على وجه الأرض وغير نمط حياة مليارات البشر. وقبل ستة أعوام من وفاته، ألقى خطاب حفل التخرج في جامعة ستانفورد في 12 يونيو من عام 2005، وروى حينها ثلاث قصص. الأولى تتعلق بالوصول إلى المغزى الكامل بالربط بين الأجزاء، والثانية، تتمحور حول الحب والفقدان، وتحكي الثالثة عن الموت. لكن تلك القصص لم تكن صاحبة الأثر الأكبر في الجمهور، بل كانت دروس الحياة التي كشف عنها بكلماته الشخصية فتركت صدى عالمي.

كان درس الحياة الذي ذكره جوبز عن اكتشاف المغزى بالربط بين أجزاء الصورة على النحو التالي: «لن تستطيع الوصول إلى الصورة الكاملة بالنظر إلى الأمام فحسب، بل عليك البحث في الماضي كي تتمكن من ذلك. وعليك الثقة بأن تلك الأجزاء سترتبط بطريقة أو بأخرى في مستقبلك. عليك أن تثق بشيء، سواء كان حدسك أو قدرك أو عاقبة عملك. ولم يخذلني هذا النهج يومًا، وترك في حياتي بالغ الأثر.»

ثم تحدث جوبز عن الحب والخسارة فقال «اتضح لاحقًا أن إقالتي من عملي في آبل كان أفضل شيء حدث لي في حياتي. تقسو عليك الحياة أحيانًا فتشج رأسك بالحجارة. لكن لا تفقد الثقة. وأعلم أن الشيء الوحيد الذي دفعني للمتابعة هو شغفي بما فعلته. عليك أن تجد الشيء الذي تعشقه. وينطبق هذا تمامًا على عملك كما ينطبق على حبيبتك. يملأ عملك قسطًا كبيرًا من حياتك، والطريقة الوحيدة التي تشبع لديك الرضى عن نفسك حقًا أن تفعل ما ترى أنه عمل عظيم. والطريقة الوحيدة لتنجز عملًا عظيمًا أن تحب ما تفعله. فإن لم تكن قد وجدت ضالتك تلك بعد، تابع البحث، لا تتخاذل.»

وأخيرًا، تحدث جوبز عن الموت، فقال «إدراكي بأنني سأموت قريبًا كان أقوى أداة صادفتها في حياتي ساعدتني في اتخاذ الخيارات الرئيسة في الحياة. لأن كل شيء تقريبًا — كل ما أريده من العالم …كل الفخر… كل الخوف من الإحراج أو الفشل- يذهب بعيدًا في مواجهة الموت، ويبقى فحسب جوهر الأشياء حقًا. الإدراك أنك ستموت يمثل أفضل طريقة أعرفها لتجنب فخ التفكير في صغائر الأشياء التي تظن أنك ستخسرها. أنت مجرد عن كل شيء فعلًا، فما من سبب يحجبك عن اتباع قلبك.»

أمضت الممرضة الاسترالية بروني وير عدة أعوام في رعاية المرضى الذين يعيشون الأسابيع الأخيرة من حيواتهم، فألفت كتابًا عن ملاحظاتها لتلك المرحلة من حياة الإنسان بعنوان «أكثر خمسة أشياء تندم عليها عند الموت.» وكان أولها وأكثرها شيوعًا بين الناس «أتمنى لو كانت لدي الشجاعة لأعيش حياة حقيقية كما أريد لنفسي بدلًا من الحياة كما يتوقع الآخرون مني.» وثانيها «أتمنى لو أنني لم أغرق في العمل إلى هذه الدرجة» وثالثها، «أتمنى لو كانت لدي الشجاعة للتعبير عن مشاعري.» ورابعها «أتمنى أنني بقيت على اتصال مع أصدقائي» وخامسها، «أتمنى لو أنني سمحت لنفسي أن أكون أكثر سعادة.»

وهكذا فإن اكتشاف الغرض من حياتك يتطلب منك أن تفكر بنهاية حياتك. فتسأل نفسك عندما أذهب، ما الأثر الذي تركته؟ من ستترك؟ ما الذكرى التي ستتركها لدى الناس عنك؟ وتلك هي الأسئلة الرئيسة التي ينبغي أن يتمحور تفكيرك عنها حين تتصور ما ستتركه من أثر في الحياة، والتي يجب أن تجيب عنها وتعيش عمرك في سبيلها.

ويناسب ختام حديثي إليكم هنا أن أعود مرة أخرى، إلى كلمات رجل لم يعد في دنيانا: ستيف جوبز، لكن كلماته ما زالت حية بيننا حين يقول «الموت على الأرجح أفضل اختراع أوجدته الحياة، فهو عامل التغيير فيها، فهو يزيح القديم ليفسح الطريق لوصول الجديد. أنت الجديد اليوم، لكنك قريبًا ستصبح رويدًا رويدًا الشيء القديم فتزال من طريق تقدم الحياة. تذكر أن وقتك محدود، فلا تضيعه في عيش حياة شخص آخر. لا تقع في فخ العيش بنتائج تفكير الآخرين. ولا تدع ضجيج آراء الآخرين يطغى على صوتك الداخلي. والأهم من كل ذلك، امتلك الجرأة للسير خلف قلبك وحدسك. فهما يعرفان بطريقة أو بأخرى ما تريد أن تكون عليه حقًا في حياتك ويدلانك على الطريق.»

يشغل طلال مالك منصب الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة ألفا ، وهو مستشار معتمد لدى عدد من كبار قادة الدول وقادة الأعمال في العالم.

Like what you read? Give Talal Malik a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.