آخر لحظات الحياة

تفتح عينيكَ المثقلتين بعد سبات ليلة طويلة ملتفتاً حولكَ متأكداً أنك ما زلت على قيد الحياة ، و دليلك على ذلك أكوام الصوف و القرون المحيطة بك من كل جانب و السقف المعدني الداكن الذي يحميك من حر الشمس و زخات المطر. تنهض على حوافرك و تهز جسدك المليء بأكوام اللحم و الشحم المكدسة و تخوض في بحر الأصواف مزاحماً ذاك الكبش و ذاك الخروف حتى تصل إلى حيث الماء و التبن لتجد بقية الناجين من أصحابك الذين عاشوا ليوم آخر. تأكل طعامك بصبر و هدوء شديدين و كأنك تحتسب اللحظات التي قد تكون آخر ما تعيشه على وجه الأرض متجاهلاً تدافع بقية القطيع الذين أفاقوا من سباتهم و أتوا يزاحموك على اكوام العشب.

تسمع فجأة صوتاً مألوفاً، مزعجاً، يقترب شيئاً فشيئاً فتزيد من نهمك في الأكل و تشعر بارتفاع في حرارة جسدك بشكل غريب كلما سمعت هذا الصوت في كل صباح. تهرع ناحية المشرب، تدفع المتزاحمين عليه بقرنيك الكبيرين الذين لطالما كانا علامة زهوك بين أقرانك، تكشفهم عن المشرب و تغرف الماء بلسانك و كأنما تحاول إطفاء نار مستعرة في جوفك و لكن عبثاً تحاول اطفائها بالماء و لا تستطيع. يزداد الصوت اقتراباً و ازعاجاً، تود لو تستطيع أن تصيح “أوقفوه ،، أوقفوه ،، سيقتلني هذا الإزعاج” ولكنك عبثاً لا تجد لكلماتك من مستجيب بل إن الصوت يزداد هديراً، حتى يدخل ذلك الجسم الغريب في محيط بصرك. جسد أسود ضخم طويل يصدر صوتاً مزعجاً و على صدره درع فضية يعتليها رأس كبش ضخم، لربما كان هذا الكبش جدي، و لكني لا أفهم لما يرتدي هذه الدروع، نحن لا نريد قتاله فمم يحمي نفسه؟

تقول الأسطورة التي حكتها لي أمي حين كنت حملاً أن لهذه الحيوانات التي تسير على قدمين صوتاً و كلاماً يختلف عنا ولا نفهمه إلا حين نحتاج لفهمه، ولم أعرف يوماً ماهي الحاجة لفهمه أو متى سنحتاج لفهمه و لكنني أشعر بخوف شديد من مظهرهم لأنهم كلما أتوا إلى هنا اصطحبوا بعض أقراني في ذلك الجسد الطويل و أخذوهم إلى وجهة لا نعلمها ولم يعد أي من أقراني من تلك الرحلة قط، رحلة بلا عودة.

تحدث حركة غريبة في ذلك الجسد فتراه يقف فجأة و يختفي الصوت المزعج ليحل محله سكون مريب، الجميع يصمت، و الجميع واقف، الجميع مترقب منتظرين خروج هذا الحيوان ذو الحافرين من بطن هذا الوحش، و خرج! جسده غريب، يكاد يحجب نور الشمس عنا حين يقف أمام أي أحد منا و يغرس أداة غريبة الملمس فحيناً تشعر بشيء منبسط يربت على ظهرك و فجأة تجد هذه البسطة تتحول لأطراف منغرسة في نواحي ظهرك تجعلك تصرخ بأعلى صوتك من دون أدنى اكتراث ممن هم حولك.

تشعر بتلبك في بطنك، لا تعلم أهو من التبن الذي أكلته أم أن الماء قد تغير فيه شيء أم أنك مجهد، مشاعر متعددة تصب كلها في خانة الخوف تجتمع كلها في تلك اللحظة حين تراه يرفع يده لينادي حيواناً آخر من نفس فصيلته و لكن يبدو أنه مختلف عنه في الشكل، إلا أن أمراً جديداً قد تغير اليوم، لقد سمعته وهو يناديه .. يا بكري .. يا بكري!

لمَ أستطيع أن أسمعه اليوم؟ و من هو بكري؟ هل هوَ الحيوان؟ مَن بكري؟ أين بكري؟ رباه .. هذا هو بكري .. الحيوان الذي يأخذنا كل يوم إلى النزهة و يعيدنا! إسمك بكري .. لمَ لم أعرفك من قبل يا بكري .. لمَ الآن يا بكري .. ولمَ أستطيع أن أفهمك الآن يا بكري؟ أسئلة كثيرة لا أجد لها جواباَ يا بكري

“ اسمع يا بكري، أبيك تاخذ ذا الكبش و تحطه في الصندوق لأجل جايينا ضيوف المسا، بسرعة يا بكري عجل ورانا شغل”

ما المقصود بهذا الكلام الذي أسمعه اليوم لأول مرة؟ أنا ما زلت لا أدري لمَ اليوم بالتحديد أصبح لحركة وجوه هذه الحيوانات صدى و معنى في أذني، كل ما أعرفه أن هذا الحيوان اسمه بكري و إني أراه مقترباً ناحيتي مندفعاً قبالتي ،، رباه ،، ما الحل ،، ما أفعل ،، سأهرب ،، نعم سأهرب!و لكن عبثاً أحاول الهروب من بكري الذي أمسك بي قبل أن تتحرك حوافري خطوة واحدة. غرس بكري عشر أطراف في جسدي و أحسست بألم عارم جعلني أصرخ بأعلى صوت و لكن بكري كان يضحك غير مكترث لي بل حملني عن الأرض و سار بي بين أقراني الذين كانوا ينظرون لي بعيون غرقى بالدموع و كأنهم يعلمون شيئاً و أخفوه عني، و كأنهم يودون أن يخبروني شيئاً و لكنهم لا يجدون وسيلة لذلك ولا حيلة لديهم، و يفتح بكري باباً في جسد الوحش و يطرحني على جانبي الأيمن و يربط حافرَي و من ثم يغلق الأبواب. ما أقساكَ يا بكري، تظهر قوتك و جبروتك على من هم دونك و ترميهم في بطن هذا الوحش من دون حول لهم ولا قوة. فجأة ينتفض الوحش! و يصدر خواراً مزعجاً و جلبة عارمة و يتحرك ببطئ. أحاول عبثاً رفع جسدي لاختلاص نظرة على ما يحدث خارج بطن الوحش ولكني لا أستطيع فقد كبلني بكري و حرمني من الحركة و من رؤية أصحابي و أحبابي للمرة الأخيرة. و سار الوحش بجلبة و صخب عارمين مصحوباً بهزات شديدة كادت أن تهشم أضلاعي حتى استكانت حركته فجأة و بدأت أشعر أنه استكان.

حين استكان هذا الوحش بدأت أشعر أن الخوف الذي في داخلي قد خف بعض الشيء، انخفض تسارع دقات قلبي الذي كان ينفجر من الخوف حين رماني بكري داخل بطن الوحش، و امتلكت القدرة على فتح عيني و النظر للسماء ،، كم هي جميلة هذا اليوم ،، و نسمات الهواء المنعشة اللذيذة التي تلامس وجهي تشعرني بالسعادة العارمة التي لا أجد لها سبباً و ظل بصري شاخصاً في السماء و في غيومها الزرقاء الجميلة التي رسمت أشكالاً رائعة في ذلك اليوم، حتى شعرت بتباطئ في سرعة النسيم و ازدياد حرارة الجو و بدأت أشعر بالخوف مرة أخرى، لم توقفت الحركة، أين وصلنا؟

على حين غرة مني و كأنما أراد أن يغدر بي هذا الحيوان الشرير، قام بفتح بطن الوحش و أخرجني منه بكل عنف و فك وثاقي. “دَعني” صرخت به مرات عديدة .. دعني .. مالك و شأني .. إلى أين تسحبني من قرني ..دعني .. دعني أرجوك .. دعني و لن أنطحك أعدك بذلك كل ما أريده هو الفرار .. أنا لا أعلم إلى أين تأخذني .. دعني أرجوك، لكن ذهبت كل رجائاتي مجرى الرياح .. أدخلني إلى مكان وجدت به العديد من أقرانه من الوحوش مرتدين ملابس غريبة و يحملون معهم أدوات لامعة براقة

“ذبيحة .. تقطيع كامل .. لا ما يبي مرق يبي حق مفطح .. كم فلوس؟ ثلاثة و نص .. طيب يلا خذ”

حقاً لا أعلم ماذا قصد بهذه الكلمات لكني شعرت بالسعادة حين أفلت قَرنَي من قبضتيه ،، سعادة خاطفة لثوان .. فقد شعرت بأطراف تنغرس في جسدي مرة أخرى و تحملني بعيداً عن هذا الوحش .. أرجوك لا تتركني وحيداً .. سأكون نعم الكبش لك .. أرجوك لا تجعلهم يأخذوني

أتلفت يميناً و يساراً لأجد العديد من أقراني مضرجين بدمائهم .. بعضهم وجدته معلقاً بين الأرض و السماء و قد عروه من ثيابه و تركوه ينزف .. و البعض الآخر قتلوه و تركوه على الأرض جثة هامدة بلا حياة .. و أحسست بشيء يوضع على رقبتي .. أطراف كأطراف بكري .. سرقت نظرة للأعلى .. وجه قاسِ ذو ملامح لا توحي بأي لطف أو محبة .. ينظر لي باستهزاء .. و أنا أنظره راجياً الرحمة .. و أراه يفتح فمه و يقول “ بسم الله الله أكبـــر”

من ثم شعرت بشيء حاد يمر عبر نحري، شعور غريب بالألم و البرودة في آن واحد، مالي لم أعد أرى ما يحدث حولي، مالي أفقد القدرة على التحكم بجسدي، إني أفقد القدرة على كل شيء ،، الآن عرفت أين ينتهي المطاف بأصدقائي.