رحلة البحث عن السعادة

( عبر المحيط , من أفق تنيسي , أخبروني بأنني سأجد أحلامي وطموحاتي , لكن الحقيقة هي أن أحلامي وطموحاتي كانت بداخلي طوال الخمسين عام الماضية

“ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” ) كانت تلك أخر الكلمات التي كتبها سامي في وصيته , متبوعة بتوقيعه باللغة الإنجليزية الذي لم يكمله حيث كان الموت أسرع من يده المرتجفة . غادر سامي الحياة في التاسع عشر من ديسمبر 2026 محاطاً بكل ما تشتهيه النفس من ملذات الدنيا , مليارات الدولارات مرتبطة باسمه , شهرة عالمية , قصور فخمة , سيارات فارهة … عاش سامي حياة كل الطبقات الاجتماعية وأعتنق كل المذاهب الفلسفية كل هذا في سبيل البحث عن السعادة الحقيقية . تلك الجوهرة الثمينة التي لم تستطع أمواله شرائها أو مناصبه إغرائها .

بدأت رحلة سامي للبحث عن السعادة منذ نعومة أظافره , فهو لن ينسى أول مرة رأى فيها أبيه يبكي في عزاء عمه الذي قتل جراء انفجار سيارة مفخخة في ساحة الشهداء — بيروت عام 1981 ومن ذلك اليوم قطع على نفسه عهد بأنه لن يكون مثل أبيه ولن يسمح للحياة بسلب ابتسامته منه , كان سامي صغيراً وقتها لم يعرف معنى الطائفية أو الكراهية , كان يحب بلده رغم أنه لم يرى شيئاً فيها غير دماء أبنائها ولم يسمع سوى دوي القنابل , لم تكن مشاعره نحو بلده لتتغير إلى أن دخل سامي المدرسة الإعدادية الفرنسية ببيروت وهناك ألتقى بالسيد أندرو — معلم الأدب الفرنسي للصف السابع- , السيد أندرو هو فرنسي أربعيني يتبع حزب اليسار الراديكالي السياسي , كان السيد أندرو شديد التعصب لموطنه , وكان — كغيره من الغربيين — يرى أن الحضارة الغربية هي الحضارة الأفضل وأن الشعوب الأخرى هي مجرد ثديات همجية تعيش في مباني اسمنتية .

كان سامي شديد الإعجاب بالسيد أندرو وبادله السيد أندرو هذا الإعجاب لِما رأى فيه من الذكاء الحاد ؛ ولذلك كان يخوض السيد أندرو في نقاشات مطولة مع سامي في وقت الفسحة وبين الحصص وكان يحثه على الاجتهاد في الدراسة لكي يحصل على منحة دراسية في الخارج ويترك بلده المليئة بالهمجيين , أقتنع سامي برأي أندرو و أصبحت الصيحات وقود محرك الطائرة التي ستحمله خارج البلاد , والدماء تَذكِرَتَها , كل ما حوله من ويلات الحرب أضحى سبباَ أخر لهجرته , لم يكترث أبداً بشأن بلده ولم يُدع الرب مرة أن يصلح أمورها , كره العرب ولغتهم وأتخذ من ثوب الفرنسيين رداءً له . تخرج سامي من الثانوية بتقدير ممتاز وكان الثاني على دفعته ولكن لم يحصل على المنحة الدراسية الفرنسية التي كان يصبو إليها , أضرب عن الطعام لمدة أسبوع إلى أن خضع والده لطلباته وأنفق مدخرات عمره ليُدخل ابنه البكر سامي إلى جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة, في أمريكا تحرر سامي من القيود التي كانت موضوعة عليه في لبنان وأطلق لنفسه العنان , جرب سامي الكحوليات لأول مرة , رافق النساء , أقام وحضر الحفلات الصاخبة , كان وجودياً تارة ًو تنويرياً تارةً أخرى , تنكر سامي مرة أخرى من أصوله العربية — الإسلامية بعد أحداث سبتمبر 2001 حين غير سامي اسمه العربي إلى سام , كان سامي وقتها محامياً صاعد وكما كان متوقع من زملائه في الجامعة حصد سامي ثروة هائلة وقبل أن يتم الثلاثين من عمره أضحى سامي من أغنى الشبان في نيويورك بأكثر من 500 مليون دولار في حسابه البنكي جناها من القضايا التي ربحها كمحامي .

وحيداً ومشتت الذهن تأمل سامي شروق الشمس من شقته في مبنى إمباير ستايت معلنة بلوغه العقد الثالث من العمر , بلغ سامي الثلاثين من عمره ولم يجد السلام الداخلي والسعادة اللذان هم أكبر طموحاته بعد , سأل وبحث عن معنى السعادة فكانت تأتيه الإجابات من كل صوب , من ناس يظنون أنهم سعداء , كانت الإجابات متفاوتة بين الحب ,المال ,الاستقرار ,الأصدقاء .

كان سامي غنياً بل فاحش الثراء , متزوج مرتين , محاط بالعديد من الأصدقاء , ولكن حزين .

تذكر سامي نصيحة أحد زملائه البوذيين في الجامعة عن زيارة الهند والتعلم من مرشد روحي هندي فحجز تذكرة إلى الهند لعله يجد ضالته في الشرق , في نيوديلهي التقى سامي بالعديد من “ المرشدين الروحيين “ وهم في الحقيقة مجرد مرتزقين مسنين يبحثون عن لقمة عيشهم . عاد سامي إلى الولايات المتحدة — كما ذهب — مكتئباً وحائراً .

أصيب سامي بضغط الدم في الأربعين من عمره ونصحه الطبيب بأن يأخذ إجازة من العمل ولكن سامي رفض؛ فالعمل هو الشيء الوحيد الذي كان يُشغل ذهنه ويملأ خواء قلبه , تعرض سامي لجلطة دماغية العام الذي تلى اصابته وهنا قرر أن يأخذ إجازة من العمل واتجه سامي إلى فرنسا , وجهته المنشودة منذ الصبا , لم يكره سامي فرنسا قط وهو المعتاد على حب الأشياء وهجرها .

توافقت زيارته لفرنسا مع الذكرى السادسة والخمسين لمذبحة باريس ضد الجزائريين , أمام نهر السين سمع سامي لحن الموسيقى العربية لأول مرة منذ عقود لم يستطع سامي منع نفسه من الالتفات صوب مصدر الصوت و هو ثلاثة شبان جزائريون يغنون (يا الرَايح وين مسافر تروح تعيّا وتولي … شحال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي ) لم يفهم سامي من الأغنية غير هذه الجملة فالباقي كان باللهجة الجزائرية ولكنه أدرك أنها تتحدث عن معاناة المهاجرين العرب , استقبل الشبان التبرعات وترجموا الأغنية لمن أراد , تقدم سامي نحوهم وسألهم عن طريقة استقبالهم التبرعات الغريبة فهم يضعون أموال التبرعات في حذاء بالي طويل العنق , وسرعان ما ندم سامي على سؤاله حيث أغرورقت عيناه بالدموع عند سماعه للإجابة , فسر الشبان سر الحذاء قائلين بعربية فصحى ركيكة “ في مثل هذا اليوم قبل ستة وخمسين عاماً قتلت الشرطة الفرنسية أكثر من 400 جزائري ورمت جثث بعضهم في نهر السين , طفت أحذيتهم البالية على السطح في فجر اليوم التالي شاهدة على الديكتاتورية في بلد الحريات “

أطلق سامي رجله للريح والأفكار تتزاحم في رأسه , لم يصدق ما سمعه , هل يُعقل أن يكون هؤلاء الشبان العرب صادقون ؟ لا لا لابد من أنهم يختلقون الأمر فكيف يحصل ذلك في فرنسا القرن العشرين ؟ واذا حدث ذلك فما هي الجرائم الأخرى التي يعلمها عن فرنسا ؟ .

توقف حبل أفكاره عندما أرتطم بسيدة أمام باب فندقه الدوار , بحث في الشبكة العنكبوتية عن مذبحة باريس 1961 وتأكد بأم عينه أن الحادثة حقيقة عندما قرأ تصريح الداخلية الفرنسية الذي يقر بالحادثة , موقع أدى لأخر وفجأة وجد سامي نفسه مشتتاً أكثر من ما مضى , فالديموقراطية التي كان يحلم بيها , وعدالة الغرب وتحضرهم تحولت لأوهام في ساعات قليلة , فكم من مذبحة تمت على يد الغربيون وكم من عائلة شردت , وبيوت هدمت , فتح التلفاز في أمل أن يرى شيئاً مفرحاً فلم يرى غير اخوانه السوريون يُذبحون ويُهَجرون , حينها فقط أدرك سامي بأن العرب ليسوا كلهم همجيون كما كان يؤمن ففي كل عرق وجنس الفالح والطالح , هو بنفسه عربي حقق نجاحات باهرة , يتمنى الخير للجميع , وأمامه يرى الجنود الروس يقصفون حلب بوحشية , الرسول محمد ﷺ رسول الإسلام وهو أعظم قائد مر على التاريخ بشهادة أحبابه الغربيون , والعبرانيون يسيلون دماء المسلمين كل يوم .

ضحك بهستيريا على السنين التي قضاها يضع الناس في مجموعات ويحكم عليهم بناءً على صورٍ نمطية وبكى كالطفل لحزنه الذي بات الأن أعمق من السابق , فكم هو مؤلم أن يكتشف الإنسان أن كل ما يؤمن به كذب , للمرة الأولى في حياته رفع سامي كفيه إلى السماء ودعا الله , لم يقل شيئاً غير “يارب” يتخللها بكاء ونحيب, لم يحتاج أن يقل شيئاً أخر فالله كان أعلم بما يدور في خلده , سجد سجدة طويلة من غير أن يتوضأ أو يواجه القبلة هو فقط أراد أن يشعر بالسجود لا غير , كان يعلم أن ما يقوم به ليس منطقي فهو لم يكن ملحداً يوماً ولكنه لطالما ظن بأن الايمان بقوة عالية تحمي الكل من الشرور هو خداع يقوم به العقل الباطن لتهدئة النفس , في تلك الليلة رمى سامي المنطق بعرض الحائط وأذعن لصوته الداخلي ورغباته النفسية في الإيمان بقوة تحمي الإنسان وتدبر أموره .

أستيقظ سامي إنساناً مختلفاً , لم يظن أنه وجد السعادة بعد ولكنه بالتأكيد أحس بشعور مريح لم يجربه من قبل , وأراد لهذا الشعور أن يبقى وينمو داخله لذا قرر أن يخوض في عالم الديانات , حجز تذكرة لملتقى الديانات ( فلسطين ) , لم يحس بالراحة عند هبوطه في مطار اللد , ألتقط صورة لحضور الجنود العبرانيين المكثف في المطار ونشرها في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي ( تويتر ) مع التعليق “ أنه من المشين أن تُشَوه قدسية دولة كفلسطين بالحضور العسكري الكثيف” شُوِهَ صفاء الدولة مرة أخرى عند زيارته للقدس فتواجد الجيش هناك أكثر من أي مكان زاره من قبل , لم يستمتع بزيارته لفلسطين كثيراً ولذلك قرر زيارة مدينة تعبر عن كل ديانة على حدى ليتسنى له التعرف على كل ديانة بالتفصيل , بدأ بزيارة الفاتيكان ثم زيارة الحي اليهودي في براغ ( وهو واحد من أقدم الأحياء اليهودية ) كما زار الشتات اليهودية في نيويورك , وفي النهاية زار مكة في رمضان عام 1443هـ أستطاع في مكة أن يجد تلك الراحة النفسية التي شعر بها في باريس مرة أخرى , فلم يكن هنالك جنود يرمقونه بنظرات حادة أو مبشرين يحاولون بيع صكوك الغفران, فقط في مكة وجد السلام الداخلي , كل شيء فيها بدى لطيفاً ومسالماً من الطيور إلى الجمادات , فقد الإحساس بالوقت والتعب والحرارة عندما دخل صحن المطاف , أحس بأنه جزء من مجموعة منسجمة مسالمة , أخذ يردد الدعاء مع الداعيين , رأى الأبيض مع الأسود , الكبير مع الصغير , الغني مع الفقير , المالك والمملوك , العربي والأعجمي كلهم يتعايشون مع بعضهم في تآلف تام لا تستطيع تحقيقه الدول العظمى , هناك أحس بالسعادة الحقيقة أحس بالنور يدخل إلى قلبه , وأدرك أن السعادة التي كان يبحث عنها لخمسةٍ وأربعين عاماً كانت تكمن داخله طوال هذا الوقت فالسعادة الحقيقة يمكن تحقيقها فقط بالإيمان بأن كل شيء يحدث لسبب , تحت تقدير العزيز العليم .

أعتنق سامي الإسلام مرةً أخرى بعد أن ولد مسلماً وأحس أنه ولد من جديد , تغيرت نظرته للعرب ورجع لأرضه الحبيبة لبنان , انتهت الحرب وتغيرت لبنان كثيراً ولكنها ما زالت جميلة كما عهدها .

شُخص سامي بمرض السرطان في يوليو 2025 , حزن سامي وقتها ليس لأنه سيموت بل لأنه أمضى حياته جاهلاً , كارهاً , مرتدياً ثوباً ليس بثوبه.

دينة أبو شنب

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Dina Abu shanb’s story.