الوطن في عيون امرأة

شهدت عائلتي خسارة عظيمة نهاية الأسبوع الماضي حيث فقدت واحداً من أهم ركائزها وهو جدي — رحمه الله — حيث وافته المنية يوم الجمعة الموافق 3\3\1437هـ في عمر يناهز التسعين بعد صراع طويل مع مرض الزهايمر ,سلكنا ليلتها أنا وأخي وطفلتي ذات العامين الطريق البري من الرياض إلى مكة المكرمة والتي شهدت طفولتنا لحضور مراسم العزاء , كانت تلك المرة الأولى أزور فيها مدينة مكة العزيزة إلى قلبي منذ خمسة أعوام أعوام المرة الأول التي أزور فيها بيت جدي وجدتي في حي جرول (وهو إحدى أحياء مكة القديمة التي لازالت قائمة تشهد على تاريخ المدينة العريق ) مذ سبعة أعوام — فالوصول إلى منزلهم أصبح أصعب من السابق بسبب المشاريع التنموية القائمة في مكة -

ذكرني منزل جدتي وجدي بالقصص التي كانت ترويها لي جدتي عن طفولتها وحياتها في مكة , وما أجملها من قصص! فجدتي تعد من القلائل الذين شهدوا توحيد المملكة وتحولها من صحراء قاحلة إلى واحدة من أغنى دول العالم .

ولدت جدتي في منزل جدها لأمها في (حارة الباب) يوم 23 سبتمبر 1932 وهو يوم مميز لكونه يوم توحيد المملكة , في ذلك الوقت كانت مكة مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 120ألف نسمة وربما أقل من ذلك , لم تكن في مكة أي مستشفيات أو مدارس أو إنارة أو أي نوع من الخدمات العامة وكانت الحياة بسيطة وبدائية .

حكت لي جدتي أنهم كانوا يستخدمون السراج الحجري في الإنارة وهو إناء مفتوح من الأعلى فتحة واسعة مصنوع من الحجر وبه أربعة منخفضات لوضع الفتائل وكانوا يصبون فيه السمن البلدي أو شحم الحيوانات إلى ان ينتصف الإناء ويضعون أربع فتائل في المنخفضات الأربعة وهي طريقة متعبة جداً عند مقارنة محاسنها بعيوبها فأي هبة هواء كانت كفيلة بإطفاء السراج . ومن ثم تطرقوا إلى طريقة أسهل قليلاً للإنارة وهي الفانوس ومن ثم الأتاريك .

. كانت جدتي — على خلاف بنات جيلها — متعلمة فهي تعلمت القراءة والكتابة من أخيها الأكبر الذي تخرج من المدرسة الصولتية وهي أول مدرسة نظامية في المملكة , كما كانت في طفولتها تنبذ الخروج مع أخيها إلى ( السوق الصغير ) لشراء حاجيات المنزل ولكن كانت والدتها تجبرها على الذهاب مع أخيها إلى السوق قبل بلوغها لتميزها بذاكرة قوية ,وكان الخروج إلى السوق أمر شبه يومي ففي ذلك الوقت لم يكن هناك ثلاجات لحفظ الطعام فكانت العوائل تشتري طعامها طازجاً يومياً أو شبه يومياً .

وعند بلوغها سن الثالثة عشر اضطرت جدتي للعمل (كمدرسة خاصة ) لدى إحدى عائلات مكة الثرية لكسب دخل إضافي لعائلتها بعد وفاة والدها ,حيث كانت عائلات الحجاز الثرية تحضر معلمين لأبناء العائلة وكان أغلب هؤلاء المعلمين من الرجال وكانت مهمتهم تعليم الأبناء الذكور حيث أن تعليم الفتاة لم يكن شيء مقبول عند الكثير من العوائل المكية والسعودية في أربعينات القرن الماضي, إلا أن هذه العائلة كانت تفكر خارج الحدود الجغرافية وكانت تنوي إرسال بناتها إلى مصر لإكمال دراساتهن العليا .

وعندما بلغت جدتي السادسة عشر من عمرها تزوجت من جدي ( عبد الرحمن ) وهو عبد محرر من بورتسودان كان يعمل في إدارة محل القماش لأحد البيوت المكية والذي أعتقه أخر مالك له في عام 1939 م ورغم أن قرار منع الرق لم يكن ليصدر إلا بعد ستة وعشرين سنة إلا أن تجارة العبيد شهدت انخفاضا ملحوظًا في ثلاثينات القرن العشرين وذلك بسبب الاستقرار الذي شهدته المنطقة بعد توحيد المملكة وانفتاح الأهالي على العالم وروح العصر .

رزقت جدتي بأول مولودٍة لها — عمتي صفية — في فجر اليوم التاسع من ذي الحجة عام 1371هـ الموافق 29 اغسطس 1952م و عندما أتمت عمتي أسبوعها الأول على هذه الأرض أقيمت لها العقيقة أو ( السابع ) بلهجة أهل الحجاز حيث تأتي الجارات والقريبات للزيارة لتقديم الهدايا والمباركات , و في عصر يوم الثامن عشر من ذي الحجة زفت جدتي للمرة الثانية في حياتها ولكن هذه المرة بجانب طفلتها في الحفل الذي أقيم لعمتي وهو ما يعرف في الحجاز بـ ( الرحماني ) وهي حفلة تقام لأطفال العائلة والحي عند ولادة مولود جديد في العائلة حيث يجتمع الأطفال في العصر لرؤية المولود وترتفع فيها أصواتهم منشدين ( يارب يا رحمن بارك لنا في الغلام ) اذا كان المولود ذكر و ( يارب البرية بارك لنا في البنية ) إذا كانت المولودة أنثى , ويدق فيها نجر في إذن المولود باستمرار .

أضفت ولادة عمتي على قلوب جدتي وجدي فرحاً عظيم ولكن كان هنالك شيء ينغص عليهما فرحتهما وكان يقض مضجعهما كل ليلة وهو قلة المال المتوفر لديهما , فصاحب محل القماش الذي كان يعمل عنده جدي أنتقل هو وعائلته للعيش في جدة ولم يجد جدي عملاً أخر , وتتذكر جدتي هذه الأيام قائلة : “ لقد كنت أقول لجدك كل ليلة وأنا أرضع عمتك : المال الذي معنا لن يكفنا شهر واحداً و قريباً ستغني صفية عن حليبي وستحتاج طعاماً حقيقاً , وملابس أكثر . وكان جدك دائماً يسكتني بقول : (إن أهل الخير كثيرون ولقد ساعدونا مذ أن أُغلق محل الخياطة وسيساعدوننا بإذن الله إلى أن أجد عملاً جديداً ) و كان محقاً في كلامه فبالرغم من فقرنا لم نحس يوماً أننا فقراء فكانت الجارات يتناوبن على إرسال ما نحتاجه من طعامٍ وقماش , وكان الجيران يمدون جدك بالمال دون أن يطلب , فالكل كان يداً واحدة والكل يساعد على قدر استطاعته “

ولحسن الحظ لم تحتاج جدتي لأن تعيش على مساعدات أهل الخير لفترة طويلة فقد فتح لجدي وجدتي باب رزق مع حمل جدتي بوالدي, فكل مولود يأتي ورزقه معه , وكان الباب هو الباب الملاصق لبابهم , ففي بداية شهر شوال عام 1373هـ أنتقل للعيش بجوارهم أحد مطوفي الدول العربية الذي عرض -فيما بعد -على جدي العمل معه عندما سمع عن حالته المادية . وأما معرفة المطوف عن حالة جدي وجدتي فهي قصة طريفة كانت ترويها لي جدتي كل مرة سخرت فيها من مقدمي البرامج الفنية ؛لاهتمامهم الشديد بصيحات هذا الخريف, وقلقهم من ارتداء الممثلة الفلانية لحزام يعود تاريخه لعاميين … فكانت تقول لي أن اهتمام النساء بالموضات هو ما أنتشلها هي وعائلتها — بعد الله — من الفقر, حيث أن جدتي عندما ذهبت لترحب بعائلة المطوف في الحي لم تجد ما تلبسه؛ فلبست عباءتها السوداء فوق جلابيتها البرتقالية المعتادة وتوكلت على الله , ومن مظهر جدتي لاحظت زوجة المطوف أن عائلتنا كانت بحاجة إلى المال فنساء مكة قديماً كن مشهورات بجلابياتهن البيضاء والمطرزة بالخيوط الذهبية , ولحسن الحظ توافقت رغبة جدي الشديدة في الحصول على عمل مع رغبة المطوف ( عبد الله) في من يساعده في الطوافة فعبد الله لم يمارس مهنة الطوافة قط قبل موسم 1373هـ , فأخاه الأكبر(عبد العزيز) هو من كان يذهب في رحلات استقطاب الحجاج مع والده وكان بمثابة اليد اليمنى لوالدهما في مواسم الحج ولكن الأخير وافته المنية في حادث طائرة وهو في طريقه إلى العراق لزيارة بعض الأقارب , وكما هو معروف فمهنة الطوافة ظلت لعقود طويلة محصورة على أبناء مكة وأبنائهم , وبوفاة عبد العزيز أنتقل شرف الطوافة إلى (عبد الله) القليل الخبرة .

أثبت جدي مهارته في موسم الحج ؛ فعمل جدي كل ما يمكن أن يفعله المرء في موسم الحج- فوقتها لم تكن الطوافة مؤسسات لكل شخص فيها دوره المعلوم –فعمل جدي في استقبال الحجيج , ونقلهم من وإلى المشاعر المقدسة , كما سكنت عائلتان من الحجاج في منزله مع عائلته ؛ الأمر الذي سر جدتي كثيراً فهي بطبعها إنسانة اجتماعية تحب مخالطة الناس وبحكم كون الحجاج من الإخوة العرب فهي لم تواجه أي صعوبات في التحدث إليهم .

أستمر جدي في العمل في الطوافة لعشرة أعوام جمع فيها المال الكافي ليضمن استقرار عائلته , وشهدت تلك العشرة سنوات تغيرات كبيرة ليس فقط في حياة عائلتنا بل في حياة جميع السعوديين, ففي الفترة ما بين 1953–1963م طرأت الكثير من التغيرات في جميع المجالات , ففي المجال التعليمي قام الملك سعود بإنشاء وزارة المعارف — التي تحولت بعد ذلك إلى وزارة التعليم — , كما أفتتح أول جامعة في الجزيرة العربية وهي جامعة الملك سعود في الرياض , ثم أنشئت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة , وفتحت مدارس نظامية لتعليم البنات لأول مرة , وفي المجال الاجتماعي أُسست وزارة العمل والشؤون الاجتماعية , وفي مجال المواصلات ربطت مناطق المملكة بسلسلة من الطرق البرية وتم تطوير المطارات في الرياض وجدة والظهران والطائف وتبوك وحائل والقصيم كما أفتتح ميناء الملك عبد العزيز في الدمام , وفي مجال الصحة فتحت العديد من المستشفيات والمراكز الصحية في المدن والقرى منها مستشفى الملك عبد العزيز الجامعي في الرياض وهي المستشفى التي لجئت إليها جدتي لولادة نجليها ( كريم وفاطمة ) حيث أنها احتاجت لإجراء عملية قيصرية .

وفي عام 1378هـ (1958م) أرسلت جدتي ابنتها ذات السبع أعوام لمدرسة (البنات الابتدائية الأهلية ) وهي أول مدرسة بنات في مكة أنشئت في ربيع الأول لعام 1362هـ (1943م) بحي الشامية بمكة ومؤسسوها هم المشرفون على دار العلوم الدينية (آنذاك) وكانت في بداية أمرها تسير وفق مناهج البنين الحكومية مع بعض التعديلات الطفيفة مثل الثقافة المنزلية وبعد إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات سارت على مناهجها , حيث كانت جدتي حريصة على تعليم أطفالها الذكور والإناث على حد سواء , وكانت تتمنى أن تعيش اليوم الذي ترى فيه بنات الوطن من بينهن الطبيبة البارعة , والقائدة الرائدة , والإدارية الناجحة , والمدرسة القديرة , وسيدة المجتمع المثقفة وحقق الله لها أمنيتها فرأت جدتي بعينها بنات الوطن رافعات راية التوحيد في المحافل الدولية والمسابقات العلمية والأدبية العالمية .

زارت جدتي مدينة جدة لأول مرة في عام 1385هـ (1965 م )لحضور حفل زفاف صغيرتها صفية وعن هذا تقول : “ لقد كنت خائفة جداً من ركوب السيارة لمسافات طويلة , فبالرغم من أن الطريق السريعة كانت معبدة إلا أنها كانت ضيقة وتتسع لمسار واحد فقط , ولكن فرحي بزواج ابنتي البكر وحماسي لزيارة جدة طغا على خوفي , لقد كنت أتمنى رؤية البحر في طفولتي ولكن لم تستطع عائلتي أن تأخذني لرؤيته لأن الطرق كانت خطرة جداً ولم تكن هناك سيارات أو وسائل نقل عامة في مكة “

حملت فترة الطفرة 1389–1400هـ (1969–1980م) الخير الكثير للعوائل السعودية , فارتفعت الأجور , وتوفرت الوظائف , وهجر الناس بيوت الطين إلى البيوت الحديثة , و أدخلت الآلات الكهربائية للمنازل , كما ازدادت أعداد المستشفيات والمدارس والمرافق العامة , وارتفعت أعداد السدود و أضاءت الشوارع والبيوت, ودخلت مفاهيم “ الخادمة والسائق “ إلى بيوت العوائل متوسطة الدخل بعد أن كانت محصورة على الطبقة الغنية .

التسعينات الميلادية — على خلاف السبعينات والثمانينات — لم تكن بالسهلة على السعوديين ففي بدايتها تعرضت دولة الكويت للغزو من العراق وأنتقل الكثير من الكويتيين إلى السعودية للحماية , كما تعرضت مدينة الخفجي للاعتداء من الجيش العراقي, و لثلاثة أيام قاوم الجيش السعودي ببسالة في معركة سقط منها أكثر من 53 شهيد سعودي .

أتت سنة م1991 وأتت معها بشائر النصر في الكويت , وتنفست السعودية الشقيقة الصعداء , حملت التسعينات أيضاً الكثير من الفرح للشباب في العائلة وفي العوائل السعودية حيث تأهل المنتخب السعودي للدور ال16 في كأس العالم عام 1994م وفاز بكأس الخليج في العام نفسه , وفاز بكأس أسيا للمرة الثالثة في تاريخه عام 1996م .

قطع صوت أبنتي جلسة تذكري لقصص جدتي ولكنني سرعان ما عدت لخلوة روحية بينما كنت أراقب التجاعيد على وجه امرأة هي أشبه ما تكون بكتاب تاريخ للمملكة , فجدتي كانت دائماً سيدة مواكبها لعصرها ولطالما كانت مهتمة بمعرفة كل ما يدور حولها , وهي اليوم تستخدم الهاتف الذكي وتطبيقاته في التواصل مع احبائها حول العالم , وتسلك الطرق السريعة المعبدة أسبوعياً لزيارة أخواتها في جدة والمدينة والطائف , وتستمتع بمشاهدة العالم من خلال الأقمار الصناعية , وتستمتع بوجبة عشاء مع أحفادها في أحد المطاعم العالمية المنتشرة في المملكة شهرياً , وتزورني في شقتي في أحد ناطحات السحاب في الرياض من الفينة للأخرى, وتتأمل فجراً منظر أبناء الحي يذهبون إلى المدارس الحكومية المجانية الواسعة والقريبة , وما زالت جدتي تحرص على زيارة المسجد الحرام-الذي أصبح يتسع لثلاثة ملايين مصلي-أسبوعياً , وتنعم بحياة هادئة أمنة في منزلها وسط المدينة التي لا تنام .

-أنتهى.

دينة هشام أبو شنب.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.