الجريدة

سؤالٌ يحيّرُني. كيف لقلبي الذي يعجّ بالحب، أن يخلو من حبيبة؟ هل يا تُرى، أنا المُشكلة؟ نعم، أحدِّثُكِ أنتِ. كنتِ هنا، فكيف اختفيتِ فجأة؟ وكيف أخفيتِ صُوَري ورسائلي؟ أين القصيدة؟ ماذا؟ أيُّ قصيدة؟ تلك التي كتبتها في ليلةٍ مليئةٍ بكل شيءٍ سِواكِ. غبتِ في السواد، فقررتُ أن أُهديكِ حين تعودينَ قصيدة.. أحببتُ ما كتبتُ لكِ في تلك الليلة جداً. لم أكتب شِعراً، بل كتبتُ أغنية، لكنّها لم تُغنّى أبداً. آمنتُ كثيراً أنها لو غُنِّيَت، لسِمعناها في كل أنحاء المدينة. في كل شارع، وكل مذياعٍ، وربما لتصدرت في ذلك الأسبوع عناوين الجريدة. أتذكرين ماذا كتبتُ في مطلعها؟ أنا أذكر:

"أمتأكدةٌ أنتِ..
أنّ أباكِ رجلٌ مثلي؟
وأمّكِ مثلُنا بشر؟
أم أنكِ ضوءٌ ولد ساعة،
التقاء الشمس بالقمر؟"

جميلة، أليست كذلك؟ كلحظة لُقياكِ تماماً. أتدرين، يوم رأيتك أول مرة، نبض جسدي بأكمله، ما عدى قلبي. توقّف فجأة عن ممارسة العمل الذي خُلِقَ من أجله. رفض الخضوع ربما. تكبّر واستنكر. أو ربما أُصيبَ المسكينُ يومها بالارتباك، أو شعر لحظتها بالخجل. وها هو اليوم، يعود لعمله مجدداً. فقد امتلأت ارجاؤه بالحب، ولكن من دون حبيبة.

أخبريني، هل أُبقي أشياؤكِ عندي؟ مرآتُكِ، وعُلبة المكياج، ومشطُكِ الخشبي. فرشاةُ الرسم والدفتر ما زالوا تحت سريري، وعلى الطاولة شايُكِ الأخضر والسُكّر. رائحة عطرك ما زالت، تباتُ معي، على كتفي، وفي شَوْقي، وفي أملي وفي ألمي. احترتُ يا امرأةً كثيراً حولَ خلقك وتكوينك. فما أنتِ؟ سألتُ الله فقال سَلْها، تعرفُ المرأة أجوبتي. سألتكِ مراتٍ مرات دون إجابة، وكأنكِ تُخفينَ كذبةً، تخافين أن تعترفي. دعيني أخمّن إذاً. أنتِ سماء أحلامي التي تُحييني بالمطر؟ لا.. ربما سربُ حمامٍ وجد فيني مُستقر؟ لا.. سلالِمَ أملٍ تحملني بلطفٍ فلا أتعثّر؟ لا لا .. وجدتّها، ووجدتكِ. أنت الصلاة التي ألجأُ إليها كي أتطهر. غريب، فقد أغرقني المطر، وأوقَعني الحمام، وكلما وقفتُ أتعثّر، فمن أي ذنبٍ أتطهّر؟

أتعلمين، ربما من الأفضل أن يبقى قلبي هكذا، دون حبيبة. ابقَيْ من أجلي، بعيدة. ولا تقلقي، سأجدُ أحداً يغنّي لكِ القصيدة. ولا تقلقي أيضاً، لن أضع اسمي عليها. بإمكانكِ أن تُخبري العالم أنها كُتِبتْ فيكِ، وأن شاعرها قد مات فور انتهاءهِ منها. لا تقلقي، لا تقلقي. سيصدقونكِ، حين يقرؤوا الكذبة في الجريدة.