حان موعد العبور

ورقةٌ قديمةٌ تطيرُ في الهواء تبحث لها عن مخدع حتى لا تُقرأ. موسيقى مُسجلّة في إحدى الأشرطة المشروخة مركونةٌ في استوديو مغلق منذ زمن. قطعةُ حلوى أخيرة تبقّت في العلبة ولم يأكلها أحد بداعي الأدب والحياء. كلها أشياء جميلة، لكنها الآن مهجورة. قررت العبور، ولم تعد الآن مهمة. أشياءُ تشبهني تماماً.

استحوذ الشعور بفقدان الشعور على كافة مشاعري القليلة المتبقية. لم يعد مهماً ما سيحدث الآن أو بعد حين. لم تعد الأحداث المُنتظرة تُحدث في صدري ألماً. عابرٌ فقط لا أكثر، هو كل ما أود أن أكون. لم يعد مهماً الطريق، معبدّاً كان أم وعر، ولم تعد مهمةٌ الحُفَر التي عليّ تجنبها، ولم يعد مهماً طول المسافة وانقطاع النفس وانتهاك حرية الاختيار. عابرٌ لا أكثر، هو كل ما أريد أن أكون.

أحلم؟ ولِمَ أحلم؟ فحتّى أحلامنا تُسرَق منّا. تصبح فجأةً أحلامهم التي لطالما لاحقوها. تُصبح في أعينهم مدهشة، مغرية وحقيقية، فور كشفك عنها. فور إطلاقها، تبدأ دون قصدٍ بالتبرؤ أنت منها. ترحلُ الأحلام عنّا متى ما أخبرنا العالم عنها. ولِمَ تبقى إن كنّا لا نقوى على تخبأتها، في أضلعنا، وأدراجنا، وجيوب ثيابنا، ووسادة أحبّتنا؟ ترحلُ الأحلام عنّا، أو تُسرق، لا يهم. المهم أنها تهجرنا، حين نخبر العالم عنها. ونحنُ لسنا إلا بشر، الضعف أشدّ صفاتنا شراسة، والكتمان بالنسبة لنا رذيلة. فلِمَ نحلم على أية حال؟ لم يعد مهماً ما سيأتي لاحقاً، فأحلامي لم تغيّر الواقع سابقاً، هي عابرةٌ مثلي لا أكثر، تسبقني بخطوات ربما، لكن ذلك لا يهم. هي عابرة، ويحلو لها دائماً أن تحل في مكانٍ آخر.

لم تعد الألوان مهمة. لا الأبيض مهم، ولا الأسود، ولا كل ما بينهما. هي لا تُحدث فرقاً عموماً. وُجِدت عبثاً، أو ربما عن طريق خطأ ما، من يدري. هي كأي شيءٍ آخر، أو كلا شيء ربما. لم تعد مهمة. لم تكن مهمة أبداً على أية حال. هي كذلك، عابرة، تريد الانتهاء من كل هذا الزحام، كل هذا الصخب. أكاد أجزم أنها لا تنتمي لمكانٍ كهذا. هي عابرة لا أكثر، تبحث لها عن مخرج. قد يطول البحث، لكنها حتماً ستجد الطريق نحو فراغٍ يحتضنها، صفحةٍ ما ربما، هناك حيث تحدثُ فرقاً. أتمنى لها رحلةً موفقّه. مسكينةٌ الألوان. هي كذلك كالأحلام، منهكة، وستهجرنا عمّا قريب.

استلقيتُ وفي يدي قلمٌ يوماً، أردتُ أن أخط في الأرض قصيدة. وحيٌ حلّ دون موعدٍ مُسبق، أو هذا ما كنتُ أدعّي. كلمات تناثرت فوق جسدي كالمطر، عجزتُ عن لملمتها. سرعان ما بدأ قلبي بالخفقان، وبدأ جبيني بالتعرّق. تشتتّ تفكيري. هربت الأحرف، وانكسر القلمُ أخيراً. كل ذلك حدث بسرعةٍ مذهلة، ولم يبقى في ذاكرتي من المساء ذاك سوى مشاهد خاطفة. مضحك. حتى الكلماتُ مثلي عابرة، ترفض أن تكونَ مجرد حبرٍ على سطحٍ ما، تُقرأ ثم تثيرُ الدهشة، ثم تُنسى وتُداس. يصعُب عليّ حال القلم، وُجِدَ ليعبّر عنهم، فحرموه من العبور معهم.

أنا الورقُ الطائر العابر. أنا الموسيقى المنبوذة العابرة. أنا قطعةُ الحلوى الأخيرة. أنا هنا، بانتظار اكتمال العدد، لنكمل الدرب، أنا وأصدقائي العابرون. البقاءُ موحش، ولم يعُد يُحتمل. آه صحيح، حدث أن سمعتهم يحتفلون بعامٍ جديد قد حلّ. مباركٌ لهم إذاً. دُعيتُ للاحتفال، فاعتذرت. ليس لدي وقتٌ لذلك، ولستُ ممّن يحتفلون بالبدايات على أية حال. أو النهايات. لا أدري. أنا من أولئك الذين يفضّلون الغناء بصوتٍ مزعج أثناء الترحال. على العموم، أكثرتُ من الثرثرة التي لم تعد مهمة. أمّا الآن، فقد حان موعد العبور.

Like what you read? Give Abdulla Al Nuaimi a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.