قصصٌ قصيرةٌ جداً

نظنّ في لحظة أنانيةٍ وغرور أن الكون خُلِقَ لنا.. وفي لحظةٍ أخرى وبتجردٍ واستسلام، نرى بأن للكون حالٌ أفضل من دوننا.. والحقيقة أننا، كلانا ماضون، كلٌ لوحده تجاه القدر.. أفلن يكون الترحال أجمل، لو تشاركنا الطريق، ويداً بِيَدْ سرنا معاً؟


هناك صراعٌ قد ينشأ أحياناً في أحشاء الإنسان، صراع الاختيار الأكثر كآبةً على الإطلاق، بين القيام بما هو جيد، أو القيام بما هو صحيح. ليت الحياة أسهل، وأعدل. ليت كل جيدٍ صحيح، وكل صحيحٍ جيد، إلا أن ذلك يستحيل في غالب الأحيان. نولد أول العمر، ثم نقضي بقيّة حياتنا نمارس لعبة القفز من اختيارٍ تلو الآخر، إلى أن ننتهي من الحياة، أو تنتهي هي منّا.


تتغير رغباتنا كل عام، بل أحياناً كل يوم. ماذا أريد في هذه اللحظة بالتحديد؟ أريد أن أعتزل العالم، وأرحل لأختبئ في بيتٍ خشبيٍ صغير، أمامه تستلقي حديقةً من الأشجار الشاهقة والفواكه الشهية ونباتٌ كثيف ترعى منه بقرتين وبضعُ دجاجاتٍ، وأزهار، يهتم بها جميعُها رجلٌ مُسِن لا أتحدث إليهِ أبداً. أمّا خلف البيت، تنفرش بحيرة، عميقةٌ جداً، تنامُ فيها كل أسرار الكون. يندس البيت بعيداً عن زملائي البشر، ولكنه ليس بعيداً عن المدينة. فلا أعتقد أنّي أقوى الابتعاد عن صخبها الحنون لمدّة طويلة. أريد كل ما أريد، أن أقرأ مائة كتاب في صومعتي تلك كل عامين، ثم أنكّب في وضع كتابٍ ما في العامين التاليين. وهكذا، حتى تنتهي منّي الحياة، أو أنتهي أنا منها. كتبٌ كثيرة، مدينةٌ قريبة، أشجارٌ وبحيرة، ومسنٌ يرعى كل ما حولي، ولا أسمع له صوتاً.


أخطاؤنا كثيرةٌ لا تُغتفر. نحن في الغالب لسنا جيّدون. ورغم معرفتنا بكل هذا، لا نزال نكابر وأبداً لا نعترف. ضعفاء نحنُ، على عكس ما نظهر للعالم تماماً. ندرك هذا ليلاً، قرب انتهائنا من يومٍ سئم منّا. حينها فقط نعترف بسوئنا ، في الخفاء حيث لا أحد سوانا. ربما بسبب الخجل الذي يعترينا، إلى أن يحين موعد النهوض من جديد، لنمارس السقوط نفسه، والأخطاء الفادحة نفسها، والمكابرة نفسها. يا لسوء حظ الأيام بنا، وسعادة حظنا بوساداتنا


سيظهر لك شخصاً في الحياة، إن كنت محظوظاً طبعاً، في زمنٍ تكاد فيه أن تسقط وتتهاوى وتنحدر أو تنكسر، دون أن تدرك أنك على وشك ذلك. ثم قد يرحل فجأة، بعد أن قدّم كل شيء، كل ما بوسعه لانتشالك، دون أن تعلم لِمَ. لِمَ أتى، ولِمَ رحل.. فقد تتعاطف معك السنين، إن كنت محظوظاً كذلك، لتكشف لك في وقتٍ لاحق، أو حياةً أخرى، عن الأسباب كلها.. أمّا أنت: فقد تنساه فور رحيله، أو بعد رحيله بلحظات، وقد لا تتذكّر حتى وجوده أو عبوره.. إلا أن شعوراً سَيَبات فيك أبداً، بالامتنان: تجاه رفيقك الإنسان، أيّاً كان، وأينما كان.. نادرون هم مثل هؤلاء، من يأتون لا لشيء، ثم يرحلون للشيء ذاته. العابرون في حياتنا هم فقط الحقيقيون. هم فقط من يستحقون البقاء..


لم أكن قد التقيتُ بالحبّ من قبلك، ولست أنوي العيش دونه من بعدك. أنتِ من خَلَق الكلمة ودوّن معناها وفسّر الشعور الذي تزرعه في قلوب من يحتضنها. أنتِ إصدارُها الأول والعاشر والأخير. أنتِ عُنوانها، وفهرسها، وملّخصها، وأرقام صفحاتها، والغلافُ والمدققُ والناشرُ والبائع والقارئُ والمُعارُ والمستعير. أنتِ الحّبُ، وكلّ ما يحملهُ، وكلّ طريقٍ يُضاءُ بهِ، وكل سببٍ يؤدي إليهِ، وكلّ شعرٍ يحومُ حولهُ، وكلّ عناقٍ، وكلّ لقاء. أنتِ، ما أنتِ، سوى مكرمةٌ من الرّب في زمن الازدراء.


حين يصبح الحب همّاً، تذبل الأنوار حينها. كل ضحكةٍ تبدو مزيّفة. ألمٌ يشعرُ به كل من حولك إلا من تحب.. كل الأماكن المفضّلة، تغدو مفبركة. كل الأغاني، تصبح مزعجة. كل الهموم الأخرى تفقد قيمتها. كل ذلك يحدث، حين يصبح الحب همّاً..

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.