كتبْتُكِ

جلستُ بعيداً ذات نهارٍ، وحيداً أنظر للسماء. كانت زرقاء، كما لم أرها من قبل. جلستُ وجلسَت أمامي بُحَيْرة، وليس بقربي أحد. جلستُ وفتحتُ أوّل صفحاتِ كتابٍ، لا تسكنهُ الكلمات. بدا وحيداً مثلي. أشفقتُ عليه، فأمسكتُ القلم، علّي أوجدُ له من يسكُنهُ، وعلّه يوجِد لي من يسكُنني. فكتبت.

كتبتُكِ أنتِ. كتبتكِ قصةً لا بداية لها، ولا أدري كيف تنتهي. كتبتكِ سطراً معوجّاً، وجُمَلاً لا تعني شيئاً. كتبتُكِ كلماتٍ دون تشكيلٍ، وأحرفٍ دون نُقاط.

كتبتكِ شعراً حُرّاً، كما لم يكتب جبران، والسيّاب، ونزار. كتبتُكِ قصيدة، تعشقها القصائد. كتبتُكِ دعاءً، نُحِتَ على أبواب المساجد.

كتبتُكِ بحراً، لا يجرؤ على خوضه أحد. كتبتكِ نهراً، فغدَوْتِ في الليلِ نهاراً. كتبتكِ مطراً، يسقي الأرض إلى الأبد. كتبتكِ حُرّة، من كلّ ذنبٍ ومعصيةٍ وخطأ. كتبتكِ طُهْراً لا ينجس، وسلاماً لا يضطرب، وصوتَ حمامٍ لا يسافر، لا يطير ولا يحلّ، لا يرتفع ولا يقع.

كتبتُكِ جمالاً صارخاً، وحفلاً مُذهلاً، وليلةً أنتِ ضيُّها اليتيم. كتبتكِ بالحبر والرصاص والألوان. وبالطبشورِ والحنّاءِ والدماء. كتبتُكِ حتى احترقت الأوراق، وانتهيتِ، كما انتهى كلّ شيء، سريعاً جداً، داخل أعماق البُحيْرة.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Abdulla Al Nuaimi’s story.