إذا عملتَ فيما تُحسن قد تُنتج، ولكنك لن تُبدع حتى تعمل فيما تعشق

وصلتني رسالة كتب فيها صاحبها أن حلمه أن يصبح جراح قلب ولكنه سمع أن جراح القلب “يشتغل كل يوم وما عنده وقت لنفسه”. ويسألني “ما هي نصيحتي؟”

عزيزي السائل،

أنصحك أن تبحث عن تخصص يجعلك ترغب أن “تشتغل فيه كل يوم” وأن تحب العمل لدرجة أنك “لا تريد وقتاً لنفسك”. وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أن جنتي، هي غرفة العمليات. فأسعد ما أكون عندما أجري عملية، ويا حبذا لو كانت عملية معقدة وصعبة.

أنصحك أن تبحث عن تخصص لا تشعر معه أن آخر الأسبوع هو “الخميس الونيس” أو أن يوم السبت كئيبٌ يعلن انتهاء إجازة نهاية الأسبوع، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أن كل أيامي سواء، فأنا وإن توقفت عن العمل بالحضور الشخصي، ففكري يبقى مشغولاً بأمور مرضاي وفي كيفية تخفيف آلامهم.

أنصحك أن تبحث عن تخصص إذا سافرت في إجازة فإنك تفتقد عملك وبودك أن تقطع الإجازة لتعود لمزاولته، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني أفتقد رائحة غرفة العمليات إذا ما ابتعدت عنها لفترة.

أنصحك أن تبحث عن تخصص ما إن تبدأ العمل، لا تنظر للساعة وإذا بالوقت يداهمك، فتحس فيه أن الوقت قد مضى سريعاً، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني ما أن ابتدئ العملية لا أرفع رأسي إلا لأجد أن آذان الظهر يكاد أن يُرفع ليعلن أن ثلاث ساعات قد طارت دون أن أحس بها.

أنصحك أن تبحث عن تخصص لا تفكر معه بالتقاعد لأنك لا تتصور حياتك بدون عمل، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني أود لو يقدر الله لي، كما كان يردد أستاذي في جراحة القلب البروفيسور تايرون ديفيد، بأني أود أن أجري العمليات الجراحية لليوم الذي أموت فيه.

أنصحك أن تبحث عن تخصص يمنعك حبك له من أن تتغيب عنه وإن كنت مريضاً، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني كنت أمتنع عن التغيب وإن كنت مريضاً الى أن بدأت أدرك بأني قد أعطي المريض أقل من كامل جهدي لأن جزء من قوتي كان يُهدر في محاربة مرضي، فتوقفت عن ذلك.

أنصحك أن تبحث عن تخصص يجعلك تغضب إذا ما مُنعت يوماً من أدائه، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أنه بالرغم من أن راتبي يصرف لي كاملا سواء أجريت عملية جراحية واحدة أو مئة بالشهر إلا أنني أجد نفسي أحارب لأكون صاحب أعلى عدد عمليات بنهاية العام وكم أغضب إذا ما تم إلغاء إحدى عملياتي لسبب أو لآخر.

أنصحك أن تبحث عن تخصص لا تمانع فيه من قضاء الساعات الطوال أو السهر له، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، بأني كنت أبتدئ يومي الساعة السابعة صباحاً بالمرور على المرضى ثم ابتدئ عمليةً وثانيةً لأنتهي الساعة السادسة مساءاً لأبدأ في معاينة المرضى المحولين للجراحة وأنتهي الساعة ١١ قبل منتصف الليل فأعود للمنزل للتحضير ليوم عمل جديد.

أنصحك أن تبحث عن تخصص يدفعك لعمل ما قد يترفع غيرك عن عمله لكي تتمكن من ممارسة ما تحب، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أنني كنست وعقمت غرفة العمليات حين كان عمال النظافة مشغولين في تنظيف غرفة أخرى كي لا يتم الغاء عملية بعد الظهر لتأخر الابتداء بها.

أنصحك أن تبحث عن تخصص تسعى دوما أن تطوره وترفع من مستواه، وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني ما أقبل إلا الأفضل سواء من نفسي أو من فريق العمل للارتقاء بمستوى الخدمة لجميع المرضى.

وتذكر مقولة الدكتور طارق السويدان

إذا عملت فيما تحسن قد تنتج، ولكنك لن تبدع حتى تعمل فيما تعشق”*

أنصحك أن تبحث عن تخصص تعشقه لتبدع فيه. وأنا أستطيع أن أقول لك، وأنا صادق فيما أقول، أني أعشق ما أعمل ولهذا فأنا أتمنى أن أكون به من المبدعين.


د. محمد جواد البنا استشاري جراحة قلب في مستشفى الأمراض الصدرية في الكويت. وقد أكمل دراسته للطب في كلية طب جامعة ليدز في بريطانيا وأكمل تخصصه في جامعة تورونتو في كندا، وتخصص دقيق في الفتحات الصغيرة من جامعة مكماستر في كندا. وهو حاصل على البورد الكندي FRCSC من كلية الجراحين الملكية الكندية. لمعلومات إضافية يرجى زيارة الرابط www.DrMJAlbanna.com

Dr. Mohammad J. Albanna is a consultant cardiac surgeon at the Chest Diseases Hospital, in Kuwait. He has completed his medical training at the University of Leeds School of Medicine, his residency at the University of Toronto, Canada and a fellowship at McMaster University, Canada. He is a fellow of the Royal College of Surgeons of Canada. For further information, visit www.DrMJAlbanna.com

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.