الخطورة مفهوم غير ثابت
تواصلت معي إحدى المتابعات. في وسائل التواصل الإجتماعي لتخبرني عن والدها. فهي وزوجها يعيشون في دولة عربية ووالدها، السوري الجنسية، كان مازال داخل الاراضي السورية، ولكنه عندما بدأ يعاني من آلام في الصدر، خرج من سوريا لينضم إليها وزوجها في البلد العربية التي يعيشان بها. فتصطحب السيدة والدها لزيارة طبيب قلب. وقد كان الانطباع الذي أخذته من المحادثة أن شخصية الطبيب هذا كانت غير محببة عندها ولكنهم يوافقون على إجراء قسطرة تشخيصية وعندما يجد الطبيب انسدادا في أحد شرايين القلب التاجية يقوم بنفخ الإنسداد ويزرع دعامة في مكان هذا الانسداد.
تمر الأشهر و تعود الأعراض للأب مرة أخرى، وفِي هذه المرة يتم أخذ الأب الى طبيب آخر. وأستشف من وصف المتواصلة أن الطبيب الثاني شخصيته محببة. وبعد الفحوصات يقرر الطبيب ذي الشخصية المحببة الحاجة لعمل قسطرة تشخيصية ثانية. و قالت أن الدعامة تسكرت بنسبة ٩٠٪ وأن الطبيب اكتشف انسدادين جديدين.
وكانت إستفساراتها تحوم حول شكوكها بأن الطبيب الأول قد خدعهم و بدل من أن يزرع دعامة "بلاتينية" حسب وصفها، بأنه زرع دعامة عادية. تستكمل السائلة القصة و تروي أن الدكتور المحبب يقوم بتحويل المريض الذي يعاني الآن من انسدادات في ثلاثة شرايين تاجية إلى جراح قلب والذي يقول لهم أن عضلة القلب كفاءتها منخفضة (٤٠٪) ولذلك هو متخوف من العملية. فينصحهم بإجراء قسطرة تداخلية وزراعة دعامات. وبالفعل يقوم الدكتور المحبب بإجراء القسطرة ويزرع عدّة دعامات.
تتحسن حالة الوالد بشكل ملحوظ. فقد كان بالسابق يعاني من آلام في الصدر وضيق بالتنفس مع كل مجهود ولكن كل هذا اختفى في الْيَوْمَ التالي لزراعة الدعامات وأصبح يمشي و يمارس حياته بدون أي مشاكل. بعد مرور شهر، وبينما الأب يتفرج على التلفزيون، يميل فجأة على جنب و يتوفاه الله. رحمة الله عليه وغفر الله له وأدخله فسيح جناته.
قصة محزنة. ولكن ماهو الهدف من القصة؟
للقصة عدة أهداف.
أولا، اذا ما لم يحبك المريض وأهله فأي شي تعمله مشكك فيه. ولذلك أحد أهداف الاستشارة الطبية هي كسب ثقة المريض.
ثانيا، الاعتقاد أن الدعامات لا تتضيق لأنها بلاتينية، دوائية، ذكية، سموها الي تبون تسمونها، فهو اعتقاد خاطئ. لولا أن الدعامات تتضيق ماكان للجراحة دور ولولا أن الزراعات ينتشر لها مرض انسداد الشرايين لماكان للدعامات بعد العملية دور. لابد من من معرفة أن العلاجات المتوفرة كلها مؤقتة ولايوجود حل دائم لمشكلة انسداد الشرايين. لابد من محاولة تفادي حدوث انسدادات شديدة من الأصل. وإن حصلت وكان لابد من التدخل بالزراعة أو الدعامات فلابد من المحافظة على المزروع بتغيير نمط الحياة والإلتزام بالعلاجات الدوائية.
النقطة الثالثة، تتعلق بالخطورة من التدخل. الخطورة ليست رقما ثابتا ولكنها تعتمد على عوامل كثيرة، بعضها يتعلق بالمريض وحالته المرضية، بالجراح أو الطبيب الذي سوف يجري التدخل والمستشفى ومدى خبرته في رعاية المرضى بعد التدخلات المعنيه. فعلى سبيل المثال، مريض مثل الأب لو كان في مستشفى الأمراض الصدرية بالكويت لأجريت له العملية من غير تردد ولعدة عوامل. الاول أني وزملائي الجراحين نجري عمليات القلب المفتوح لمرضى كفاءة عضلة القلب لديهم ٤٠٪ وأقل بصورة دورية. فهذا الرقم بحد ذاته لايعني شئ. والأطباء المساندون من تخدير وعناية مركزة لهم خبرة كبيرة في رعاية مرضى القلب المفتوح ذوي عضلات القلب الضعيفة. ولهذا نتائج المركز بصورة عامة ممتازة. بالمقابل قد يكون الجراح في البلد العربي لايجري عمليات بهذه الصعوبة ولذلك بيديه الخطورة عالية ولكن اذا اجريت على يدي جراح وباشراف فريق متمرس فالخطورة اقل. العامل الثاني هو كون المريض غير قادر على تكاليف العملية والذي له دور كبير على موافقة الجراح وإدارة المستشفى على إجراء عملية ستكون تكاليفها باهظة لاحتياج المرضى ذوي الكفاءة القليلة لعلاجات مساندة كثيرة. ولكن الحكومة في الكويت والحمدلله متكفلة بجميع الفحوصات والعلاجات للمشاكل والمضاعفات خلال تواجد المريض بالمستشفى والتي قد تحدث لهؤلاء المرضى.
أما النقطة الاخيرة تتعلق بسبب وفاة الأب. أحد اهم مضاعفات الدعامات هي إمكانية أن تتجلط الدعامة و بصورة مفاجئة مما يؤدي الى وفاة المريض أو حدوث جلطة كبيرة في القلب. ولهذا نجد ان مريض الدعامات يأخذ نوعين من انواع الأودية المسيلة للدم (مثبطة لوظيفة الصفائح مثل الاسبرين والبلافكس). فخطورة التجلط تزيد اذا ما لم يلتزم المريض بأخذ الأدوية بعد زراعة الدعامات. ومن وصف المتابعة فاتوقع ان المريض عانى من انسداد مفاجئ بأحد الدعامات مما أدى الى وفاته.
وفِي النهاية ما أنسى ان اطلب منكم ان تدعوا للحجي و لجميع الموتى بالرحمة و الغفران لعل احد يذكركم بدعائه بعد مماتكم.
د. محمد جواد البنا استشاري جراحة قلب في مستشفى الامراض الصدرية في الكويت. وقد أكمل دراسته للطب في كلية طب جامعة ليدز في بريطانيا وأكمل تخصصه في جامعة تورونتو في كندا، وتخصص دقيق في الفتحات الصغيرة من جامعة مكماستر في كندا. وهو حاصل على البورد الكندي FRCSC من كلية الجراحين الملكية الكندية. لمعلومات إضافية يرجى زيارة الرابط www.DrMJAlbanna.com
Dr. Mohammad J. Albanna is a consultant cardiac surgeon at the Chest Diseases Hospital, in Kuwait. He has completed his medical training at the University of Leeds School of Medicine, his residency at the University of Toronto, Canada and a fellowship at McMaster University, Canada. He is a fellow of the Royal College of Surgeons of Canada. For further information, visit www.DrMJAlbanna.com
