العٓودٓةْ مِنٓ الضّبابْ
علي اليوسف
٢٨-٢-٢٠١٦

في إحدى ليالي الشتاء الباردة، و تماماً في منتصف الطريق المُظلم، رحلَ الصّديقُ الذي شاركنا ذلك الدّرب، و هجرَ الجليس الذي زيّن لنا الوقت، و عُميَت العين التي لطالما كانت ترانا، و لم تٓعُد الأذن تسمعُ لنا قولاً و قيلاً، حين نقِف في الزمن الغامض بمفردنا و نتسائل، من كان ذلك الصّديق؟ و من إعتاد صحبتنا من قبل؟ ما الذي ربطنا بهم؟ و لمَ إرتبطوا بنا؟ و ما الذي سيذكّرنا بهم إن لم يذكروننا؟
من بين كل هذه التساؤلات المؤسفة التي لم أجد لها إجابة أشتفي بها، جذبني صديقٌ قديم مررتُ بجواره و ذكرته في الحال، أغْبرتهُ السنين الطويلة و شيّب صفحاتهُ الإنتظار، و ما إن إلتقطتُه حتى أنساني جميل أوقاتي الزائفةُ الماضية، أوقاتٌ أمضيتُها في ترفيه ذاتي، و ليس ترفيهَ نفسي، أرحتُ بها ذاتي، و ليس عقلي، إطّلعت على الخبر، لا المعلومة، إكتفيت بالاستماع إلى التشويش، لا الوضوح، هذا الصديق .. نعم، إنّه “الكِتاب” !
“ يا رَاجِعاً من ضَبابِ الأيّامِ يسألُ عَنّي “ زكي ناصيف
مرّت الأيام و السنين بسرعة البرق و أنا ألتهي بملهيات لا قيمةَ لها، لم أكن أحرص على الإستفادة من اللحظة بالرغم من وجود العديد من التقنيّات المفيدة، فحقّاً لم أجد حلّاً لعقلي الضّبابي المزيّف الذي كان يتبع الإشاعة و ثقافة الـ "قالوا"، النّاطق بإسم الظلام بدلاً من النّور، فإن كُنّا نقرأ بدلاً من أن نسمع لأصبحنا أمّةً أفضل.
حتى أتى الضّيف الذي قلبَ حياتي صفحاتٍ على غلاف، و بدأ ينيرُ ليَ الدّرب الذي قد تُهتُ فيه، و فُتحت أمامي أبواب في أبواب، و أدركت أن توَهاني في بحرٍ من العلوم الآن أعظم من توَهاني قبل أن أقرأ، و لكنّه التوَهان الذي يحتوي على إشارات مساعِدة، و الدربُ مضاءٌ بالمصابيح البيضاء، فطالما هناكَ رفيقٌ لهذا الدرب فلا أخشى أن أتوهَ فيه. فأحببت القراءة عن علم الصوتيات، الفيزياء التقليدية، فيزياء الكم، الطب، علم النفس، علم الأعصاب، و أخيراً علم الفلك.
لطالما كنت هاوٍ في الصوتيات و كل ما يتعلّق فيها من مواضيع حياتيّة، فبدأت بأول كتاب يجمع بين الصوتيات و علم النفس بعنوان “أنت الموسيقى” للباحثة الدكتورة “فكتوريا ويليامسون”، و الذي يتحدّث عن تأثير الصوتيات على سلوكيّات الإنسان منذ الولادة و حتّى سن الشيخوخة.
كان هذا أول كتاب أقرأه. بتأنّي من البداية للنهاية و فتح لي باباً آخر أوسع ألا و هو علم الأعصاب، فكنت أتسائل ما هي تأثيرات الموسيقى على الدماغ البشري و هنا إنتقلت من الطب النفسي إلى العصبي مع طبيب الأعصاب “أوليفر ساكس” و كتابه المميّز و الأكثر مبيعاً لهذا الفرع من العلوم، عنوان هذا الكتاب هو “الدّاء الموسيقي”، و فيه يتحدّث الدكتور عن سلسلة من الإضطرابات العصبيّة المتعلّقة بحاسّة السمع و الموسيقى بالذّات.
تعلّمت كثيراً عن تأثير الصوتيات على الإنسان، و لكن غريزة كل إنسان أن يبحث دائماً عن المصدر الأوّل، و لهذا السبب يلجأ العلماء للإطّلاع على وجود مخلوقات قبلنا، و أيضاً البحث عن اليقين و أدلّة خلق الكون و أزليّة الخالق عزّ و جل. قرّرت أن أعود أميالاً إلى الوراء و أتعلم ماهيّة الصوت و كيفية تكوّنه من الصفر و حتى يصل إلى كل المواضيع التي قرأتها، فدخلت في سبات عميق في الفيزياء التقليدية و كتاب “على حُبّ الفيزياء” للبروفسور “وولتر لووين”.
يتحدّث وولتر عن جميع مجالات الفيزياء التقليدية بالإضافة إلى فيزياء الكم و علم الفلك، و ساقني فضولي على المتابعة و مواصلة البحث عن كل ما يتعلّق بالصوتيات، قمت بالبحث عن معلومات تتعلّق بإختراق حاجز الصّوت و أدركت أن سرعة الصّوت تختلف حسب الهواء المحيط و ما درجة حرارته و الغاز الموجود فيه، فهممت للقراءة عن الغلاف الجوّي.
الدكتور الفلكي زغلول النجّار أفادني جداً في صفات السّماء و أغلفتها، فهو يتحدّث في كتابه “السّماء في القرآن الكريم” عن جميع طبقات الغلاف الجوّي و أيضاً الفضاء الخارجي بالصّور و الإعجازات العلمية المقتبسة من آيات القرآن الكريم، و أدركت أن فهم الكونيّات لا يمكن إكمال فهمه إلا بفهم قياسات و أزمنة الكون، فكانت محطتي التالية عند الدكتور الراحل مصطفى محمود و كتاب “آينشتاين و النّسبية”، و هنا إنتهيت من جولة إستطلاعية. لكمّ هائل من العلوم المتّصلة ببعضها البعض.
قد يختلف الزّمن أثناء ممارستنا هوايات نحبّها، فتمرّ الدقيقة تلو الدقيقة، الساعةُ فالساعة، و ينتهي وقت فراغنا بلمحة طرف ولا نشعره، و في أحيانٍ أخرى يتحرّك الزمن ببطئ شديد لا يكاد أن يُصدّق، و نتسائل في أنفسنا، هل هناك عدّة أنواع من ساعات الزّمن؟ و ما هوَ الزّمن أساساً، و لماذا يتغيّر الزّمن حسب النشاط الذي نفعله؟
تعلّمنا من قانون النسبيّة لآينشتاين أن كل جسم متحرك يحمل معه زمنه، و أن الجسم كلما إزدادت سرعته يتباطأ زمنه نسبةً للأجسام الأخرى الساكنة، فل نقول أن عقلك جسم متحرك، و حين تقرأ يتحرك بسرعة هائلة، فيطول عمرك و تشعر بالثواني حين تمر، و بعد إنتهائك من القراءة ترى أن الزمن قد توقّف لك، بينما وصل صديقك الذي لا يقرأ لسنّ الشيخوخة، و مرّت به الأعوام بسرعة خرافيّة لم يكاد أن يشعر بها.
فأين تأخذنا السرعة الهائلة؟ تبلغ سرعة الضوء كما يخبرنا الدكتور زغلول حوالي ٣٠٠،٠٠٠ كيلومتر في الثانية الواحدة، أي يدور الضّوء حول الأرض ٧ دورات و نصف الدّورة في الثانية، فلماذا لا نقصد هذه السرعة الجنونيّة في حرصنا على القراءة. لكنّ الضوء عبارة عن حزمة "فوتونات" تتوقف عند إصطدامها بجدار عازل، فلا نستطيع أن نرى الضّوء من وراء جدار إسمنت، و قوّة الصوت تكمن في التموّج عندما تنحني الموجات الصوتية حول الجدار لتصل للغرفة المقابلة، أو ربّما تخترق الجدار. إن كانت القراءة صوتاً فسوف تصل المعلومة بالرغم من وجود جدار، هل فكّرنا يوماً لماذا "نسمع آذان الفجر" ولا "نرى آذان الفجر"..؟
لكي يتكوّن الصوت لا بد له أن يبدأ بخطوة أولى ألا و هي الإهتزاز، و يمكن. أن يبدأ بهذا الكمّ الضئيل من الإهتزاز في الهواء و ينتهي بصوت جبّار بإستطاعته هز الأرض. فكل محاولة للتقدم تبدأ بخطوة، و القراءة تبدأ بصفحة، ثم كتاب، فلا تدع حواجز الصوت تصدّك عن القراءة.
تساعدنا القراءة على الإستفادة من أوقات فراغنا، فيتحوّل من وقت "فراغ" إلى وقت "فائدة"، كما أن لها فوائد عصبية كثيرة كزيادة قوّة الذاكرة. تُعد الذاكرة جزء أساسي من. دماغ الإنسان فهي التي تُسلسل الأحداث واحدة تلو الأخرى، فلولا الذاكرة لن يفرّق المرء بين الماضي و الحاضر. تلعب القراءة دور مهم في مرحلة الطفولة، فهي تنمّي خيال الطفل و تُلهمه الكثير من الأفكار و الإبتكارات، تعلّمه التفكّر فيما قرأه و إستنتاج الحقائق.
و هكذا و بعد طريق طويل من القراءة أحسست أنّها تمدّني بالإيجابيّة و الثقة بالنّفس، أدركت أنّ الإنسان الذي على عِلم و يقين بمواضيع شتّى لا ينفعل بسهولة، كونُهُ أعلم عقليّاً من غيره و هذا هو المهم. يأتي الإنفعال من الجهل و الضلال، فالشخص المنفعل لا يرى طريقة أخرى يعبّر بها عن ضعفه النفسي و الشخصي، و تراه ينفجر في وجه غيره و يظلمه بلا سبب. هنا تأتي القراءة لترفع السقف المعنوي لدينا، تروّض إنفعالاتنا و تفهمنا أنّنا إن كنّا نتْطّلع، فإنّنا في أغلب الأحيان سنكون على حق، فلا تغضب .. !
قد تبدو الطّرق في القراءة متشابهة و لكنها تقود لنهايات مختلفة تعتمد على مفضّلات القارئ و ميوله، لم أكن لأصدق أنني في يوم سأستطيع الوصول لفهم القليل من تركيبات الذرّة و سلوكيّاتها، فكنّا نمزح أيام الدراسة حين نصل إلى درسٍ صعب و نقول أن المعلّم يحاول تفهيمنا الذرّة، كان مجرّد تشبيهاً بليغاً على صعوبة الدرس و لكن من كان يتوقّع أن تصادفني هذه الذرّة في طريقي و انا كل هدفي كان. الصوتيات! "فٓخٓيرُ جٓليسٍ في الزّمانِ كِتابُ".. و خيرُ الكُتُب من أتٓى من بعد الضّباب.