البناء بالطباعة حلم يتحقق

مي عاشور

للصين فلسفتها الخاصّة في جميع نواحي الحياة، ومنها مجال العمارة والهندسة، خاصّة أنه جانب برع فيه الصينيون منذ أمد بعيد، بداية من بناء سور الصين العظيم، والمباني التاريخية والمعابد شاسعة المساحات ذات الطابع الصيني الخاص، ومروراً بعلم الفينغ شوي، ذلك العلم الذي يُعَدّ واحداً من أهمّ العلوم الصينية التقليدية الممزوجة بنكهة خاصة من الفلسفة الصينية، والذي يقوم على تنظيم الحيِّز الذي يعيش فيه الإنسان.

ما وصل إليه الصينيون من تقنيات حديثة مختلفة ومتنوِّعة، ما هو إلا امتداد لحضارتهم وفلسفتهم، بشكل يتماشى مع متطلَّبات الحياة العصرية، ولم يكن من الغريب أن يستطيع الصينيون التوصُّل إلى تقنية البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد، تلك التقنية الجديدة التي طرقت عالم الهندسة المعمارية، ويقال إنها ستُحدث ثورة كبيرة في مجال العمارة والبناء.

ظهرت تقنية البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد للمرة الأولى في أغسطس من العام الماضي بمدينة شنغهاي، تلك المدينة الحديثة المتطوِّرة الممتلئة بناطحات السحاب الشاهقة والمباني فريدة التصميم، وذلك عندما نجحت شركة ينغ تشوانغ للديكور والتصميم الهندسي بشنغهاي، في إنشاء عشرة مبانٍ صغيرة في 24 ساعة، باستخدام هذه التقنية والتي تقوم على طباعة الجدران ثلاثية الأبعاد باستخدام مزيج من المواد الناتجة عن المخلَّفات ومواد أخرى معالجة ومكرَّرة بشكل علمي خاص؛ مما يجعلها صديقة للبيئة وأقل ضرراً عليها من تلك المواد الكيميائية التقليدية المستخدمة في البناء، علماً بأن المخلَّفات الناتجة عن البناء في الصين تشكل أكثر من 1/3 مجموع المخلفات الناتجة عن المدن.

من المدهش أن هذه التقنية يمكن أن تُبنى بها أحياء بأكملها، في وقت قياسي وبأدنى التكاليف، فتصل التكلفة اليومية لكلّ مبنى إلى أقلّ من 30000 ألف يوان، مما يعادل 5000 دولار تقريباً. كما أن هذه التقنية تختلف عن طرق البناء العادية التقليدية؛ لأن آلة الطباعة ثلاثية الأبعاد الضخمة تقوم بطباعة أجزاء هيكل البناء في شكل طبقات متتالية، ثم يقوم العمال بتركيبها فيما بعد.

ولكن، كيف تتمّ عملية الطباعة هذه؟

يحدث ذلك بواسطة طابعة ضخمة ثلاثية الأبعاد، يبلغ ارتفاعها 6.6 متر، وعرضها 10 أمتار، والتي تقوم بصبّ حبر أسمنتي رمادي اللون، بترتيب متشابك وصلب يتّخذ شكل حرف (Z)، مما يعطي للجدران المطبوعة قوّة وصلابة، بل ويجعلها غير قابلة للانهيار أو التقوُّس، وتكون عمليّة الصبّ أشبه بعمليّة تزيين الكعكة بالكريمة، ويمكن طباعة أيّ تصميم هندسي إلكتروني.

كان حجم المباني التي تمّ تشييدها هذه المرّة صغيراً لا يتجاوز طابقين، يبلغ طول كل منها حوالي مترين تقريباً. ولكن المهندس «ما إيي خيه»، المتخصِّص في التصميم الهندسي بشانغهاي يؤكّد أن الطابعة ثلاثية الأبعاد ستكون قابلة لطباعة ناطحات سحاب ومبانٍ أكبر حجماً في المستقبل القريب، وأنها ستكون واحدة من طرق البناء الأكثر انتشاراً خلال السنوات الخمس القادمة، وقد استغرقت عملية تطوير آلة الطباعة ثلاثية الأبعاد 12 عاماً، وكل ما تحتاج إليه هذه الطابعة للعمل هو تصميم هندسي إلكتروني، وجهاز كمبيوتر، ويمكن أن تقوم بتشييد 10 مبانٍ يبلغ مساحتها 200 متر مكعب في خلال 24 ساعة؛ فيكفي أن يتمّ إدخال التصميم المراد بناؤه إلى الطباعة، وستعمل الطابعة ثلاثية الأبعاد بشكل أوتوماتيكي، وعندما تنتهي من الطباعة ستتوقَّف تلقائياً، كما أنها لا تقوم بطباعة المباني التقليدية بسيطة الشكل فقط، ولكن يمكنها -أيضاً- طباعة تصميمات مبتكرة وجديدة للبنايات.

يُبيِّن المهندس «ما إيي خيه» أنه عندما تُذكَر كلمة حبر ينبثق إلى ذهن الكثيرين منا، تلك المادة السائلة، وغير الصالحة لتشييد مبانٍ صلبة للسكن، ولكن حبر الطباعة هو عبارة عن خليط من الإسمنت، الحديد، الألياف الزجاجية، ومخلَّفات البناء، وغيرها من المواد الطبيعية المعالجة، مما يجعلها أكثر صلابة وتماسكاً، فعندما تتمّ عمليّة الطباعة يجب أن تكون الطبقات متماسكة بشكل صلد ومتين، ولا يمكن أن يُسمَح لبعض الطبقات أن تجفّ بسرعة، وللأخرى أن تجفّ ببطء؛ لأنه لو حدث ذلك فيمكن للجدار أن ينهار أو يتغيَّر شكله بسهولة. ويشير المهندس «ما إيي خيه» إلى أن التجويف الموجود بالجدران لا يخفِّف من وزن المبنى فحسب، بل يسمح بتزويده بمواد عازلة للحرارة.

ما هي مميزات تقنية البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد؟

بالعودة إلى توضيحات المهندس «ما إيي خيه» فإن هذه التقنية ليست طريقة جديدة للبناء في عالم الهندسة المعمارية فحسب، بل إنها -أيضاً- ستُحدِث تغييراً جذريّاً في عالم البناء وطرق العمارة التقليدية؛ لأن البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد هو صديق للبيئة، لا ينتج عنه مخلّفات البناء، كما أنه يوفر 60 % من مواد البناء، 80 % من العمالة، و70 % من الوقت المستغرَق في عمليّة البناء. وفضلاً عن ذلك فإنه يوفِّر مناخاً صحّيّاً آمناً للعمال، كما أن جودة المباني التي سيتمّ تشييدها بهذه التقنية ستكون عالية للغاية.

في نهاية يناير من هذا العام تَمَّ إنشاء بناية مكوَّنة من خمسة طوابق، تبلغ مساحتها 1100 متر مربع، وكذلك قاعة عرض، باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وذلك بمنطقة حديقة سوچو الصناعية بمقاطعة تـجيانغ سو في الصين.

نشر في مجلة الدوحة : عدد مارس 2015

Show your support

Clapping shows how much you appreciated مي عاشور’s story.