“تحت القبة”

فيلم من نوع أخر

بقلم : مي عاشور

ذات صباح باكر، عندما كنت أتحدث مع أحد أصدقائى الصينيين، قال إنه يرشح لي مشاهدة فيلم: “تحت القبة” الذى أنتجته الصحفية الصينية تشاي تچينغ. ظننته فيلمًا رومانسيًا أو كوميديًا، ولكنه أكمل حديثه، موضحًا أن أغلب الصينيين يشاهدون هذا الفيلم الوثائقي، الذي يتناول مشكلة التلوث وظاهرة الضباب الذي خيم على سماء مدن الصين في السنوات الأخيرة، فحجب نور الشمس عنها. هذا المنظر شاهدته بنفسى في زيارتي الأخيرتين إلى الصين، ظننت أن هذا الغيام بفعل سوء الطقس، ولكننى أدركت فيما بعد أن سببه التلوث.
“في شهر يناير من عام 2013، وصل التلوث في مدينة بكين إلى أعلى معدلاته 2.5 ، حتى بات الضباب يحجب سمائها لخمسة وعشرين يومًا في الشهر. كنت في بكين حينذاك، وكنت أرى باستمرار هذا التلوث ولكن لم يثر الأمر أى انطباع أو شعور لدى، أتذكر أن كان يقول الجميع ، أن هذا الضباب بسبب سوء الطقس. في الشهر نفسه ذهبت للعمل إلى مقاطعات مختلفة، وهم: شان شي، خيه نان، چيه تـچيانغ، تـچيانغ شي، حينها كان يخيم الضباب على 25 مدينة ومقاطعة ويعلو رؤوس 600 مليون مواطن، لم أحرك ساكنًا ولم أعط الأمر أدنى اهتمام، تأثرت حنجرتى فقط، وفي تلك الليلة التى كنت فيها في مدينه شي آن بمقاطعة شان شي، لم أنم من فرط السعال، لدرجة أننى قمت بقطع نصف ليمونه ووضعته على الوسادة بجانبى.
فور عودتى إلى بكين، علمت أننى حامل في فتاة، عندما سمعت دقات قلبها لم أتمن إلا أن تكون بصحة جيدة، ولكن سرعان ما علمت أنها مصابة بورم حميد، ويجب أن تجرى عملية لاستئصاله، بعد ولادتها مباشرة ، وقبل تخديرها قال لى الطبيب:” ابنتك قد لا تحتمل البنج في هذه السن الصغيرة، وهناك خطورة على حياتها، فعليك أن تضعي في اعتبارك هذا الاحتمال وتستعدي نفسيًا”. لم أكد أحملها بين ذراعي، حتى أخذوها مني لإجراء العملية لها، وضعت الممرضة في يدي لعبة ابنتي، تلك اللعبة الصغيرة التى تستخدم لتهدئة الأطفال وطمأنتهم، اعطتها الممرضة لي لتطمئننى. عندما رأيت ابنتى مرة أخرى كانت مازالت غائبة عن الوعي ولم تفق بعد من البنج. قال لى الطبيب:” نجحت العملية، ولكن عليك أن تسامحينى في أمر واحد، ففي أثناء تخديرها، اضطررنا لوخذها بالأبر مرات عديدة في يدها، لنجد وريدها”. حملت يد ابنتى الممتلئة بأثار الأبر ووضعتها على وجهي، ونديتها باسمها، ففتحت عينيها ونظرت إلي.
أنا إنسانة محظوظة جدًا. فيما بعد قدمت استقالتى للاعتناء بابنتى. وفي طريق العودة إلى منزلي، بدأ التلوث يبدو مخيفًا بالنسبة إلى للمرة الأولى، وكان الجو معبأ برائحة الدخان الخانقة، فقمت بوضع ”بشكير” صغير على أنف ابنتى، كانت حركة بلهاء مني، حاولت ابنتى إزاحته لتتنفس المزيد من الهواء. لم يكن يخيفنى التلوث من قبل، حتى أننى لم أضع كمامة على وجهي لتقيني منه، ولكن الآن توجد روح أحتضنها بين ذراعي، مسؤولة عن أكلها،شربها والهواء الذى تتنفسه، فالبطع علي أن أخاف الآن.

في نهاية عام 2013 استمر الضباب لمدة شهرين تقريبًا، مما جعلنى أدرك أنه لم يكن بسبب سوء الطقس، وأنها ليست ظاهرة عابرة.”

هذه الكلمات قالتها الصحافية تشاي تچينغ في بداية الفيلم، عندما فطنت إلى أن الصين تواجه مشكلة كبيرة جدًا، ربما شعورها بالخوف والمسؤولية تجاه ابنتها كان الشرارة الأولى لإنتاج فيلم وثائقي يتحدث عن مشكلة التلوث، الذى صورته وأنتجته على نفقتها الخاصة. تكلفة الفيلم مليون رين مين بى، بما يعادل 160 ألف دولا أمريكي، وهي النقود الذى كسبتها من وراء كتابها “شاهد”، والذي حقق أفضل مبيعات عام 2013.

يكشف الفيلم الحقائق الصادمة للتلوث الذي حاصر الصين، وما يحدثه من أضرار على صحة الإنسان. يطرح المشكلة بشكل واضح، لينشر الوعى عند الناس ويحث الحكومة على اتخاذ الإجرائات اللازمة لمكافحته بشكل علمي وأكثر فاعلية. شاهد هذا الفيلم 200 مليون مشاهد وقت قياسى.

“ هل رأيت نجوم من قبل؟”

“لا”

هل رأيت سماء زرقاء من قبل؟”

“نادرًا”

“هل رأيت سحبًا بيض؟”

“لا”

يعرض الفيلم هذا الجزء من الحوار التى أجرته تشاي چينغ مع فتاة عمرها 6 سنوات عام 2004 ،وتقول تشاي چينغ أنها لم تتوقع أن كل ماقالته الفتاة، سيكون نفس المصير الذى ستواجهه ابنتها.

استطيع اصطحاب ابنتى للتنزه أو الخروج فقط في الأيام التى يكون فيها الطقس جيدا وخاليا من التلوث، ولكن كم تبلغ عدد هذه الايام ؟. فالسنة بها 175 يوم ملبد بالضباب والتلوث، ما يعنى أن نصف الوقت من العام أجعل ابنتى تقبع في المنزل كسجينة.”

يعرض الفيلم مراحل ازدياد التلوث عبر السنوات الأخيرة في الصين، كما أنه يعرض صور لستة وأربعين مصورًا قاموا بإلتقاط صور لمدن مختلفة للصين في عام 2014على مدى 40 يوم متواصلين، لتدوين مراحل التلوث وملاحظتها، وتعرض هذه الصور عدد الأيام الذي يسيطر فيها التلوث والضباب على سماء هذه المدن.

تشرح تشاي چينغ سبب اختيارها “تحت القبة” عنوانًا للفيلم فتقول:” شاهدت من قبل مسلسل اسمه تحت القبة، تدور قصته حول قرية صغيرة هبطت عليها قبة من الفضاء الخارجى، فغطت سمائها وعزلتها، أدركت اليوم أننا صرنا نعيش في هذا الواقع.”

مدة الفيلم 144 دقيقة، ويستند إلى إحصائيات ومعلومات رقمية، كما أنه يدور حول 3 أسئلة محورية:” ماهو الضباب؟ من أين أتى؟ وماذا علينا أن نفعل؟”. تقول تشاي چينغ موضحة أنها ما فعلته خلال عام هو البحث عن أجابة تلك الاسئلة، عندما سألتها ابنتها ذات يوم لماذا أمكث في المنزل، ماذا يوجد في الخارج يمكنه يلحق بي ضررا؟ .

أنا لا أهاب الموت، لا أريد فقط أن أعيش بهذه الطريقة””…..تقول تشاي چينغ هذه الكلمات وهو تتحدث عن التلوث، وكيف أصبح يعرقل حياة الإنسان، ويمنعه من الاستمتاع بالطبيعة وجمالها، وتشير إلى أن حالات الوفاة المبكر في الصين بسبب التلوث تصل إلى 500،000 شخص سنويًا. وتعرض بالرسوم التوضيحية ما كشفته الأكاديمة الصينية للعلوم، وهو أن 60 % من التلوث مصدره احتراق الفحم والوقود. لا تكتفى فقط تشاي چينغ بالحديث عن التلوث في الصين، بل عرضت نماذج لدول مرت بنفس المشكلة مثل انجلترا، ولكنها غيرت من واقعها وتخلصت من شبح التلوث القاتل الذي هدد حياة الملايين.

يرى الكثرون أن مثل هذا الفيلم قد يؤثر بالسلب على الصين، ولكن الصحفية تشاي چينغ أن هناك مشكلة يجب مواجهتها ولا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها. وتنهى الفيلم بالكلمات التالية التى تدل على أنها تنظر إلى المشكلة بمنظور أكثر شمولية.

“كل مرة أنظر فيها إلى هذا الكوكب الذي يدور وحيدًا في سماء الليل، ينتابي شعور لا يمكن وصفه بالود وعدم الرغبة في التخلي عنه. يوما ما سأرحل عن هذا العالم، وسأترك ابنتى تعيش فيه. تربطنى صله بهذه الأرض، لذلك فعلي أن اعتنى بها، كما اعتنى بابنتى، وأحميها كما أحمى ابنتى.”

نشر في مجلة العربي ، عدد اغسطس 2015

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.