هكذا كانت تنظر إلي

تأليف : لاوشه

ترجمتها عن الصينية: مي عاشور

يتطلَّع الإنسان ليحيا غداً؛ لأن لحظات جميلة مشرقة محفورة في ذاكرته. لكن، إذا كانت الأيام الماضية التي عاشها قاتمة قبيحة كالجحيم، فلماذا يتطلّع إلى الغد إذاً؟ نعم، ربما تكون في ذاكرة الإنسان ذكريات أليمة أيضاً، ولكنه يأمل في أن يتمكَّن من أن ينثر على مخاوفه وآلامه الماضية طبقةً رقيقةً من السكّر، وحينها يكون للألم طعم لذيذ مستساغ، تماماً كمشاهدة مسرحية تراجيدية. بِغَضّ النظر عن أي شيء، فإن الماضي لا يمكن تغيّره أو إحياؤه مرة أخرى؛ لذلك يكون صادقاً وحقيقياً، ومن ثَمّ يمكن الاعتماد عليه. أما الغد فهو مبهم ومليء بالمعارك والتحديات المدعَّمة بوقائع الأمس. والحلم الجديد ما هو إلا إعادة تجديد لأشياء قديمة مرّ عليها زمن طويل. نعم، مازلت أذكر عينيها. قد فارقت الحياة منذ سنوات طوال، ولكن عينيها ما زالتا تعيشان في قلبي. هاتان العينان اللتان كنت أرى فيهما الحبّ. عندما تأخذني دوامة الدنيا وأنشغل، أنسى أشياء كثيرة، بما فيها هي؛ كانت تظهر لي عيناها اللامعتان فجأة من حيث لا أدري، فقد كانتا تظهران لي من وسط السحاب، من الماء، من وسط الزهور، أو حتى من وسط خيوط النور، كانتا تلمعان برّقة، تماًماً كأجنحة طائر السنونو، عندما ترفرف بخفّة، فتجعلاني أشعر ببهجة ورونق للربيع لا حدود لهما. أعود في التوّ إلى أحلامي، فهذه الأشياء الصغيرة، موحشة وعذبة في الوقت نفسه، كزهرة تساقطت وحيدة تحت ضوء القمر في الربيع. هاتان العينان كانتا تثيران وهج الحبّ، وكأنهما وميض رقيق صافٍ، كَنَدًى بلّوري نابعٍ من القلب. ولكنه قادر على أن يضيء الأنهار المتدفِّقة والجبال البعيدة، وينير زهور الربيع وأوراق الخريف، ويعكس ضوءه الذهبي على أمواج البحر، كما أنه أيضاً موجود في أعماق قلبي، ويثير دموعي. كان لعينيها نظرتان: الأولى كانت قصيرة وسريعة، لكنّ فيها- في الوقت نفسه- تحديقاً. كأنها تنظر إلى روحي، وتخبرها عن كل شيء في صمت. كانت نظرة رائعة، أعرف أنها كانت تحيد بنظرها عني بسرعة، لكن، يظلّ قلبها ينظر إليّ، لست متأكِّداً إلى متى. فأنا أسمّي هذه النظرة تحديقاً بغضّ النظر عن سرعتها وقصرها. فهذه النظرة تحمل كلّ معاني الحبّ من قول وفعل، حتى تقف كلمات الشعر كلّها عاجزة أمامها. أما النظرة الثانية، فكانت عيناها تتحّركان فيها بشكل أفقي، وتصحبهما ابتسامة نقية ساحرة، تخرج من أعماق قلبها، ولكن بسبب تأثير ما يلمسه قلبها من حبّ، كانت تبتسم بدلالٍ، ولكن من دون ابتذال، كانت سعادتها صادقة، غير مُتَصنَّعة، وكانت تبوح بمدى الدفء الكامن فيها. لم أتكلَّم معها أبداً، ولم تتلامس أيادينا. حتى لو تقابلنا صدفة، لا يُحيّي أحدنا الآخر برأسه. ولكنها كانت تعرف كل شيء عني، وكنت أنا كذلك. لم يكن هناك داعٍ لينظر كلّ منا إلى ملابس الآخر، أو نتبادل الحديث في ما يخصّ خبراتنا الحياتية، ولكن كانت أعيننا ترى حبّة اللؤلؤ المختبئة في قلب كل منا. فهذا كان كلّ شيء لنا، وهذه الاشياء الصغيرة كانت تلائمنا، حتى من دون أن نلاحظها. كانت تحني رأسها وتمرّ مسرعةً عندما كانت تنظر إلي، فتترك خلفها ابتسامة خفيفة ساحرة، تماماً كالشمس عندما تترك خيوط نور ذهبية حتى بعد غروبها. كان يتوارى كّل منا عن الآخر، وفي الوقت نفسه كنّا نتطلع ليحتضن كلّ منا الآخر. كنا نتنهّد بخفّة، وإذا تقابلنا فجأة، يُسَمِّر كلّ منا نظره في الآخر، فننتشي، وكأن جسدينا أصبحا أخفّ، فنمشي بخطوات سريعة، قوية ومفعمة بالحيوية، وكأننا سنجري في الفضاء. كنا نرغب في أن نبوح ولو بكلمة واحدة، ولكننا كنّا نخاف من أن نتجاذب أطراف الحديث، فماذا نقول؟ فهل يمكن أن يصف الكلام ما يجول في قلبَيْنا؟. فلنكتمه إلى الأبد؛ إذ كان تبادل النظرات والابتسامات هو الخلود والكمال بالنسبة إلينا، ويكون كل شيء آخر دونها بسيطاً تافهاً، لا يستحقّ الذكر. قد افترقنا منذ سنوات طوال، ولكن قلبي مازال يراها رقيقة، مرهفة الحس، لا تشيخ أبداً، دائماً تبتسم لي. أراها باستمرار في مناماتي، فإن الأحلام الجميلة تكون هي الأصدق، الأنقى والأروع. كم من الصعوبات والفشل في الحياة تصيبني بالاحباط، وتجعلي استخفّ بها واحتقرها. ولكن ابتسامتها ونظرة عينيها، كانتا تظهران أمامي فجأة،لكأنها تطير آتية من مكان ما، في التوّ أتذكَّر أن هناك شخصاً ينعكس على وجهه جمال زهرة البرقوق، ولونها الزهري الرائع، فيبدو ساحراً خلاباً. فأنسى الألم ولا أُصاب بالإحباط مجدَّداً، بل يتجدَّد شبابي. وبلا شك أنا- أيضاً- أظهر لها شاباً وسيماً في أحلامها البيضاء النقية. إن أجنحة طائر السنونو، كانت تضيف إلى الربيع بهجة. كذلك فإن شبابي في عينها، يشبه بذرة غُرست في الأرض، فأخذت تنبت براعم خضراء بشكل مستمر، فعلى الرغم من أنه لم يمضِ وقت طويل على تفتُّح زهرة الحبّ في قلبينا، إلا أننا كنّا نستمتع به، نقدّره، ونخلص له، وكأن الزمن قد تجمّد عند هذه اللحظة، فنظلّ إلى الأبد ممتلئين بروح الشباب وحيويَّته، تماماً كزهرتين قد تفتَّحتا في الربيع. لا داعي لقول شيء! لا داعي لقول شيء!، فإن معاناتي أيضاً كانت عذبة وجميلة؛ لأنها هكذا كانت تنظر إليّ.

نشر في مجلة الدوحة: يوليو 2014

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.