فصـــام

أعجز عن الكتابة، فرأسي مشتتًا بين أفكاره التي لا أستطيع تنميقها في حديث يفهمه أي شخص، حتى أنا لم أعد أفهمني، لا أعرف من أنا سوى بالهوية التي يعرفها الجميع، لكن ما يدور فعلًا في رأسي يظل غامضًا وغير واضح.

لم أعد أعرف شعارًا لحياتي سوى “الشيطان في رأسي”، أما الإله فوهمٌ، فعندما يلتهمك شيطانك، تُشل رأسك عن إتخاذ قرار مناسب لإيقاف مذابحه الفكرية، ليترك خلفه أنقاض لا ترتقي لتكوّن صورًا تستطيع التعرف عليها.

ما من مساعدة، فالعلوم والطب والأفكار والفلسفة ليست سوى محاولة بائسة لإثبات قدرة الإنسان على التعامل مع ذاته، ولكن الحقيقة هي أن كل جُهدٍ يذهب هباءًا أمام قدرة العقل على تدمير نفسه وذات صاحبه.

عندما يصبح صانع الأفكار ومخزنها هو الخصم والحكم لا يمكن أن تفعل أي شيء، سوى أن تنصاع لأوامره في مشاهدته وهو يدمرك، قد تتأقلم مع ذلك المشهد تدريجيًا، وتنعزل لتتجنب تعاملك المربك مع الآخرين، وتصبح ذلك الشخص الذي يوصفون حالته النفسية بالإكتئاب.

أنت تعرف جيدًا قدراتك العقلية، وكيف أن شيطانك قد يكون الأبرع، فالأناس التقليديون المملون لا يملكون عقولًا خارقة تستطيع تدمير ذاتها، يعيشون حياة مملة، قد تكون أسوأ من أن يدمرك عقلك فتصبح شاردًا متأملًا لنبوغه الخارق في تدمير الأشياء بطريقة معقدة لا تفهمها.

أنسجة تتكون من خيوط متداخلة كثيرة لدرجة أنك لا تستطيع حصرها أو فصلها أو تتبع بدايتها أو نهايتها، ألوان ممتزجة وغامضة وليس لها مسميات ولا تجدها خارج عقلك في ما يسمونه بالواقع وتسميه أنت بالحلم الذي تعيشه.

تتكلم فلا تُفهم، تُصادق فلا ترتاح، تصمت فلا تسكن. ليس هناك مفر سوى أن تفصله عن حلمك، “إنفصال عن الواقع” .. “فقدان في الإتزان” هم مقصديّك، سيقولون لك أن هذه هي آثار بعض المخدرات الطبيعية، سيحاولون حرمانك منها، وقد يتهمونك بحيازتها.. لكن لا تُبالي، فهؤلاء البؤساء لا يعرفون شيئًا عن واقعهم، خرفانٌ تُساق في حياة تستنزف ذواتهم البائسة والمريضة والضعيفة.

احترم قدراتك عدوّك، لا تكرهه .. حتى لا ينتهي بك الحال في أحد سجونهم بين جدران بنوها وعلقوا عليها يفط مختلفة، قد تسمى “سجن” ..”مستشفى” .. “مصحة”.. “مكتب” .. “جامعة”.. “مصلحة” .. “وزارة” أو حتى “قصر”.. ولكن بالنسبة لك كلها سجون.

أما أن تبقى طليقًا فهذا يتطلب خروجك من مدنهم وإلى آخر طرقهم، إلى أماكن لم يبنوها ولا وضعوا بصمتهم عليها، طبيعة وجدت قبلهم لم يدنسوها ليطلقوا عليها مسمى “حضر” أو “مدن”، أدخلوها في حيزّ دولهم زورًا بخطوطًا وهمية.. فقط هناك تستطيع ترويض شيطانك عن طريق إشباعه، تستطيع تصفية رأسك لتستوعب أفكارًا واضحة، تستطيع فهم دوافعك.. تستطيع التعايش مع نفسك.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.