العالم العربي أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغير المناخي

الشرق الأوسط لن يصلح للعيش مع ارتفاع الحرارة وغرق السواحل

مصطفى محمود

بدأ تأثير التغير المناخي في العالم العربي بالفعل منذ سنوات بصورة تثير الفزع. فموجات الحرارة الشديدة تنتشر على نطاق أوسع ولمدد زمنية أطول، ما يجعل بعض المناطق غير صالحة لحياة الإنسان. كما سيؤدي ذلك إلى تدهور الزراعة في مساحات أخرى مع احتمال زيادة أعداد المهاجرين والصراع على الموارد الطبيعية بسبب الفيضانات الجارفة وتضاؤل المياه العذبة وارتفاع منسوب مياه البحر والجفاف والتصحر.

وقد ارتفعت درجات الحرارة في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ وغير مسبوق في السنوات الأخيرة أدى إلى سقوط قتلى ومصابين بضربات الشمس في العديد من مدن المنطقة وكذلك إلى انقطاع التيار الكهربائي وتوقف قطارات الأنفاق والعديد من المنشآت عن العمل.

صيف غير مسبوق

قتل الحر الشديد الذي قارب الخمسين درجة مئوية في أغسطس 2015 وحده 76 شخصًا في القاهرة و16 شخصًا في مدينة حلفا السودانية و4 أشخاص في محافظة صلاح الدين بالعراق.

كما أصبح من المعتاد في الإمارات والكويت وبيروت والقدس اندلاع الحرائق وذوبان الأسفلت وتحذير هيئات الرصد الجوي بعدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة.

وسيول جارفة

وزادت السيول الجارفة كتلك التي شهدتها المدن المطلة على البحر الأحمر سواء في الجانب المصري أو السعودي العام الماضي. ولعل أسوأها كان فيضان جدة 2009 الذي قتل 115 شخصًا إلى جانب الخسائر المادية وكذلك فيضان جيبوتي 2004 الذي قتل 230 وأثر على حياة 100 ألف شخص إضافة إلى خسائر قيمتها 11.1 مليار دولار.

فيضانات في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية — المصدر المصور عدنان مسعود

كما قتلت سيول 2014 في السودان 77 شخصًا وأصابت المئات، وفقد 45 شخصًا حياتهم في فيضانات مدينتي كلميم وأغادير في المغرب في العام ذاته. وسببت سيول عام 2008 في اليمن أضرارًا قيمتها 1.6 مليار دولار، أي نحو 6% من إجمالي الناتج المحلي.

أما عُمان فقد أصبحت في مهب الريح إذ قتل إعصار «فيت» 2010 نحو 16 شخصًا وأصاب العشرات. كما قتل إعصار «جونو» 2007 قرابة 80 شخصًا.

إعصار فيت في عمان — المصدر صحيفة الرياض

دراسات دولية تحذر

دراسات كثيرة صدرت تحذر من أن العالم العربي هو أكثر بقاع العالم عرضة لآثار التغير المناخي إلى الحد الذي قد تصبح فيه بعض المناطق في الشرق الأوسط غير صالحة للعيش وفقًا لدراسة أوروبية مشتركة صدرت في مايو 2016 بالتعاون بين «معهد ماكس بلانك» الألماني و«معهد قبرص».

ويقول «جوس ليليفيلد» مدير المعهد الألماني إن فريقه توصل إلى أن درجات الحرارة في الليالي الصيفية لن تقل عن 30 مئوية وأنها ستواصل ارتفاعها إلى الخمسين نهارًا.

ويوضح «بانوس هادجينيكولاو» مدير معهد قبرص أن التصحر وموجات الحر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيزيدان عما هما عليه الآن ليصبح الصيف نحو 200 يوم، أي أطول من نصف العام!

وتقول الدراسة إن حتى تطبيق جميع بنود اتفاقية باريس للتغير المناخي التي تم التوقيع عليها في أبريل 2016 ليس كافيًا لإنقاذ المنطقة العربية من هذا المستقبل الساخن.

وتتوقع «الاتفاقية الدولية لوقاية النباتات» التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة أن تزيد درجة الحرارة في القاهرة 4 درجات مئوية وفي سائر البلد بنحو 3.1 إلى 4.7 مئوية بحلول عام 2060. كما تتوقع أن تقل الأمطار في مصر بنسبة من 20% إلى 40% ما سيؤدي إلى انخفاض النمو بنسبة من 6% إلى 14% في عام 2050.

وتحذير باحثين عرب أيضًا!

يوضح خالد حسن الباحث في الجمعية المصرية لدراسات الهجرة إن التغير المناخي سيؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط بنصف متر في عام 2050 ما يهدد بغرق المناطق الساحلية من الدلتا مثل الإسكندرية. ويوضح الباحث أن تلوث مياه الآبار بمياه البحر المالحة سيؤدي إلى انخفاض محصول الموز بنسبة 11% والقمح بنسبة 18% والذرة بنسبة 19%.

وفي لبنان يقول نديم فرج الله الباحث في الجامعة الأمريكية في بيروت أن الكوارث الطبيعية الناتجة عن ارتفاع الحرارة بين عامي 1980 و2008 في المنطقة أدت إلى خسائر مقدارها 20 مليار دولار.

الصحراء والطاقة النظيفة

بدأت بعض بلدان المنطقة مواجهة الكوارث الطبيعية للتغير المناخي وزيادة استعدادها لمخاطرة والوقاية المسبقة من آثارها بدلاً من انتظار وقوعها. وتعد مصر والجزائر وجيبوتي ومصر ولبنان والمغرب واليمن في طليعة الدول التي بذلت جهودًا مضنية في وضع سياسات مواجهة التغير المناخي وإنشاء أنظمة الإنذار المبكر مثل محطة عين بني مطهر للطاقة الشمسية شمالي المغرب.

المحرر في جولة بمحطة عين بني مطهر بالمغرب — أكتوبر 2013

ولعل من أبرز الجهود التي ينبغي استثمار المزيد فيها هي الطاقة النظيفة. ينبغي استغلال الصحراء الشاسعة في بناء المزيد من محطات إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بخاصة أن هذه التقنيات في متناول اليد بالفعل. ويؤدي ذلك إلى تقليل انبعاثات الغازات الكربونية وتحسين صحة العامة وحماية البيئة وتأمين مصادر متجددة للطاقة بدلاً من الوقود الأحفوري الذي أوشك على النضوب.

تلوث الهواء

كما يتعين على السلطات العربية المعنية العمل على تحسين جودة الهواء والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بسنّ القوانين بتركيب مرشحات تنقية عوادم المصانع وخفض الجمارك على السيارات المستوردة التي تتضمن تجهيزات الحفاظ على البيئة.

الاستفادة من الخبرات الدولية

يتعين على دول الشرق الأوسط الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة مثل معالجة القمامة في تركيا وتنقية مياه الصرف الصحفي في سنغافورة وتوليد طاقة الرياح في إسكتلندا والدنمرك واستخدام الطاقة الشمسية في الزراعة بالصوبات كما حقول العامرية جنوب إسبانيا. التجارب الدولية كثيرة وعلى وزارات البيئة العربية دراسة سبل تطبيقها محليًا.

اقرأ أيضًا للكاتب عن حقول العامرية الشمسية
حقول العامرية للصوبات الزراعية الشمسية في أسبانيا — المصدر صحيفة الإندبندنت

المعاهدات الدولية

رغم انضمام العديد من البلدان العربية إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالتغير المناخي إلا أنها تظل في أحيان كثيرة حبر على ورق. وفي مايو القادم سيتم عقد مفاوضات المناخ الـ 46 في مدينة بون في ألمانيا. وينبغي على الحكومات العربية النظر في قرارات المفاوضات فور صدورها وتطبيقها.

Like what you read? Give مصطفى محمود a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.

Responses
The author has chosen not to show responses on this story. You can still respond by clicking the response bubble.