يومَ غادرتْ غرفتي البيت!

Selvator Ventura

تصغي في ذهول وصمتٍ الى ضجيج الشارع .. تسمعُ بين حينٍ وآخر صوتَ ارتطام قطع بلاط بالأرض الاسفلتية ، هناك َحيثُ تصطفّ مجموعةٌ من الشاحنات بشكل غير مستقيم بعضها على الرصيف وبعضها يضايقُ طريق السيارات المُسرعة .. صوتُ قرقعةٍ حادةٍ بالكاد تُسمع وسط جلَبة وضوضاء الشارع المزدحم بالسيارات والشاحنات والمُشاة من عمّال وأصحاب المحلات وزبائنهم رجالاً ونساءً.. القطعُ المحطمةُ من البلاط المكسُور لا تؤخذُ بعيداً .. تُوزّع وتطرحُ على الأرض أمام أبواب المتاجِر المنتشرة على ضفتي الطريق ، حيث يدوسُها زوار المحلات دون أن ينْتبهوا لها وتصطفُّ فوقها الشاحنات فتطحنُها أكثر حتى تُصبِح جزءا من الأرض . تُراقبُ هي من تحت شجرة الكرمِ الضخمة المُنحنيةِ للأمام منظر الشارع، لأول مرةٍ تجدُ فُرصةً لتأمل هذه الطريق والتفرّج عليها، رغم أنها كانت تمر من هنا بشكلٍ شبه يومي. محلاتٌ ودكاكينُ على جانبَيْ الشارع تعلُوها لوحاتٌ ولافِتاتٌ بأحجام وألوان وأسماءَ كثيرة تشوش البصر وتجعل الطريق يبدو ضيقاً . رسُوماتٌ وخربشات وكتاباتٌ على الجدران ، وأمام كل بابٍ يضعُ كلُ تاجرٍ عروضاً من البلاط ومُعدات طلاء، وفرشات ودلاءً بأحجامٍ مختلفة .. نفاياتٌ ومخلفات لا يحتاجُونها تبقى ملقاةً بين الشاحنات وفوق البلاط المسحُوق على الرصيف، والمباني والأبواب لا يجمعُها لونٌ مُحدد ، نوع آخر من الفوضى تعايش معه الناس هناك.

كل شيء يشدّها لتراقبه ، هي التي كانتْ من قبلُ تُمضي معظمَ وقتها تحت شجرةٍ ضخمة تنحني فوقها كأنها تربت على ظهرها أو تفشي لها سراً، لم تكُن قبلاً تُصغي لشيء سوى الهدوءِ والصمت، تتمدّد تحتها القطط الكسولاتُ طيلة النهار .. ترى كل يومٍ قطعانَ الغنم يرعون في هدوء عندما يقتربُ وقتُ الغروب ، و إذا ما بقيتْ مدةً طويلةً في انتظاري بينما أكون في العمل ، فإنها تكون مُحاطةً بصديقاتٍ كثيرات يُشاركنها الشكوى والحديث ريثما أنتهي من عملي وأعودُ لها .. الان صار يومها مختلفاً؛ سيارتي الآن تسكُن في مكانٍ يُشبهُ السوق ، لا وقت لأحد ليحادثها، عالم جديد ومختلف لا أعرف كيف ستلاقيه.

كانت معتادةً على البقاء إما متوقفةً قرب مكان عملي في انتظاري أًو تحت الشجرة أمام باب بيتنا، لا تتنقل كثيراً، تأخذني وآخذها إلى ذات الأماكن، أمام بيتنا يجلسُ قربها أبي تحيطُ به قِططه تحت اشجرة التي يسكنها الكثير من العصافير، لم تكن سيارتي لغيري، أقودها وحدي، لا تعرف أحداً غيري ..

حفظتْ كل الاماكن التي أتردد عليها، حفظت الحُفَرَ والمطباتِ التي تُصادفني فأصبحت تتجنّبُها .. كانت كلما رأت غيوماً في السماء استعدّت للسير في الغدير والاوحال التي تغزو شارعنا كل شتاء .

أما الآن فصارت سيارتي تقضي الليل في شارع رئيسي تحت الأضواء أمام بيت العجوز، معظمُ رفيقاتها الآن شاحنات صغيرات، يتشاركن معاً القصص كل ليلة حتى يقترب موعدُ الفجر .. لاشك أنها أخبرتهم عني وكيف ودعتُها في أخر يوم لها وانا أبتسم بغرابة ابتسامة المودّع الذي يخشى القادم المجهول..

لا بدّ أنها تذمّرت من طريق بيتنا المُوحلة شتاءً وقارنتها بالأرضية الإسفلتية الآن.. ترى أيّ الطريقين يعجِبُها؟ لا بد أنها أخبرتهمْ عن الامير الصغير الأزرق الذي كان معلقاً في مرآتها الامامية وكيف كنتُ اخاطبُه أحياناً .. ستقص عليهم أيضا أني كنتُ ألجأ إليها عندما أشعر بالحزن والرغبة في البكاء وحدي .. وان مكان عملي ضيق ولا أجدُ فيه مكاناً ابقى فيه وحدي إذا ما شعرتُ برغبة في البكاء .. ستحكي لهم عن المرات القليلة التي أصيبت فيها بخدوشٍ معي ، لا بدّ أنها تعرفُ أني كنتُ مضطرةً للتخلي عنها. لا أدري إن كانت حزينةً على فراقي أم سعيدة مع رفاقها الجدد، وهل ستغفر لي أني بحثتُ عن بديل لها وهي التي مازالت في شبابها؟

سيارتي التي ما عادت سيارتي يقودُها الآن الرجل العجوز وأولاده وربما أصدقائهم كسيارةٍ إضافيةٍ معَ أسطول السيارات التي يملكونها، وقد كانت من قبلُ ثروتي ومالي وكنزي الوحيد ومركبتي ووسيلة نقلي و جزءاً من كل ذكرياتي . أتعمدُ المرور قرب بيتها الجديد .. أُغير طريق العودة حتى ألمحها من بعيد، إنها صديقتي ورفيقتي الأولى، وكانت بمثابة غُرفتي، لي وحدي أستقبل ُ فيها ضيوفي وصديقاتي ونتجول بها ونحكي أسرارنا ، كانت مهرَبي من البيت عندما أرغب في العزلة ولا أجدُها ، السيارةُ نمضي فيها وقتاً مثل ذلك الذي نمضيهِ في بيوتنا ، تعلقُ معنا في الازدحام وتعرفُ موسيقانا المفضلة ، وشتائمنا أثناء القيادَة ومشاويرنا الخفيّة ، على مرآتها راقبتُ وجهي ورتّبتُ كحل عيني ومسحتُ دموع فرحي وحزني وخذلاني، شاهدةً هي على آثامي وإحساني الخفيين.. السيارةُ ليست مركوباً ووسيلة نقل فقط، بل غرفةٌ متنقلةٌ من بيتنا، لم أجد وقتاً لشكرها وتفقّد ذكرياتي فيها ، مازلتُ أشتاقُها، ليس ندماً ، ربما ما زلتُ أشعر بانتمائها لي .. يجعلُني ذلك أتساءل .. كيف يمكن لمن أحب شخصاً بعمق وحفظ عاداته اليومية وكلماته واعتادَ عليه أن ينساهُ و يحب غيره ؟.كم يلزمُه للتعافي منه؟ كيف بالإمكان محو موسيقاه المفضلة والطريق إلى بيته والاشياء التي تزعجه والقصص التي رواها يوماً ما ، والكلمات السريّة التي اخترعناها معه؟!

سيّارتي الرمادية التي لم يكن بمقدورها الإسراع على الطريق عند قيادتها صُمّمت على مايبدو لتساير مرحلة معينة من حياتي يلائمها السيرُ ببطء وتأنٍ، سيارتي العزيزة غيّرتكِ لتغيّر السرعات في حياتي، لأنني أنوي الإسراع والتنقل والطيران ربما، سأذكركِ كأول سيارة اشتريتُها بمالي وأنا لازلتٌ طالبة، ليكون امتلاكك أحد إنجازات حياتي، شكراً لك، استمتعي بحياتك الجديدة. انتهتْ ________________

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.